بقلم الأستاذ: جمال الدين بوغلاّب لكأن الحياة حمالة أوجه، أولسنا في زمن الحقائق النسبية والصحة المنظومية، صحة السياق الداخلي المتناغم؟ فهنيئا لمن أدرك هذا المراد، وتعسا لمن يصر على البقاء خارج السياق. أيام توالت وأحداث مضت وتركت في النفس أثرا. وتزامن لا رابط بينه إلا «الصدفة» التي قد تجمع القاصد والتائه. اليوم الأول: احتفال عابر للقارات بالذكرى الستين لانزال «النورمندي» ووجه أوروبا الجديد وحلفاء الحقيقة التاريخية والمصلحة، حتى أعداء الأمس تجاوزوا لحظة الهزيمة. هكذا عاينا بأية عقلية يفكر ساسة الغرب ومن هم حلفاؤهم؟ ولازلنا نراوح مكاننا نحاول فتح الأبواب المغلقة بتعويذة وطوطم ونسينا ان العقول مفاتيح. وتساءلت، كم عدد من مات من العرب دفاعا عن أوروبا عبر التاريخ؟ وما سرّ هذا الغياب؟ ألم يكن من الكياسة دعوة الجار لجاره في أفراحه؟ أم هو الموقف الحقيقي لطبقات سياسية محكومة بدوافع ومرجعيات لا تعتقد في «التلاقي» بنا إلا إذا كان المنشود ابتزاز مصلحة أو موقف؟! اليوم الثاني: على وقع احتفالات «النصر النورمندي» صادق مجلس الأمن بالاجماع على مشروع طبخ على حرارة الذكرى ونسي الرجل الديمقراطي جدا.. الإنساني جدا.. الطيب أكثر من اللزوم أن المسافة الفاصلة ما بين السادس من جوان 1944 والسادس من جوان 2004 هي ذات المسافة الفاصلة ما بين «الماريشال بوتان Petain « و»مجلس بريمر» وما بين «فيشي» و»بغداد». وأنه لن يبقى في الوادي إلا «حجره» ويأتي اليوم الذي يعاد فيه الاعتبار لقيم الوطنية، والتضحية ويلعن المتآمرون على جميع تفعيلات بحور الشعر لذلك لا نزال نؤمن بوحدة القيم الانسانية التي أتاحت احتفال السادس من حزيران 2004 بفرنسا. اليوم الثالث: لأن «الكلمة» سنام الانسانية، جرت العادة على تخليد الذكرى بكلمة، فتحدث الجميع عن الحرية والقيم السامية وفي ذات اللحظة وعلى الضفة الأخرى لبحر المتوسط يصدر حكم أخرق على «مروان ماندلا» بالمؤبد المكرر!؟ ولا أجد أذان التعدي على «القاعدة القانونية» قبل التعدي على الذات البشرية؟! وكأن لعنة «اليهود» تظل تحاصر السياسات الأوروبية. لتطعن في صدقيتها، وتعيدها إلى مربعها الأول. حكم بل أحكام أفقدت «الاحتفال» زخمه وسحبت البساط من صدقية خطابه، فمثل عاريا شاحبا مترددا تحاصره لعنة «أبو غريب» ومذابح «ثوار الجزائر» من قبلها والانسانية المسبية في «كامب *» في غوانتنامو ووعد بلفور وعدوان 1956 ... وجنين ورفح وبعض عرب يقتاتون من فُتات الموائد طلبا للوجاهة وتسوّلا لسيادة قطرية معلّقة على شرط. اليوم قبل الأخير: لحظة زمنية تخلط فيها الأوراق والأولويات، وتستباح فيها الحدود والمواثيق وتنقض فيها المعاهدات، فتتحوّل قضايا الأمة من شأن عام إلى مسألة قطرية داخلية تحدد بطاقة الهوية شرعية صاحب الكلمة والفعل فيها. نحيا لنشهد بداية انقلاب المفاهيم لتتحوّل القضية الفلسطينية من مأساة إنسانية وشأن أمة بأسرها إلى مسألة خاصة بسكان فلسطين في حدود ما بعد 1967 وقريبا تصبح قضية «غزاوية» ليس فيها شرعية قول إلا لمن أثبت أنه أصيل القطاع بحذف «رفح». وتتحول العراق من قلب أمة إلى شأن كردي تركماني وبعض عرب الخارج وينصح الجيران بعدم التدخل وإلا اقتلعوا من الجغرافيا قبل التاريخ. وفي ذات اللحظة الزمنية تعقد قمة في بلاد الهنود الحمر قبل غزوها موضوعها الأول «الحريات في العالم العربي والاصلاحات..»!! فيتحول شأن الدول والسيادات المعترف بها في القانون الدولي المحكومة بمبدأ التساوي في الأصوات والكيانات إلى قضية دولية يجتمع من أجلها الثمانية الكبار وتشد إليها الرحال ولسنا ندري هل سترسل المقررات عبر السفراء إلى الآفاق أم سيطالعها الساسة على مواقع القمة على شبكة الانترنات من باب لزوم ما يلزم أو من باب النصح؟! فلننتظر ونرى؟! وماذا سيفعل بقرارات قمة العهد في تونس؟ وما هي دواعي هذه الهرولة من البعض لحضور هذه القمة؟ وما هي حجية هذه الاقرارات على القرار العربي المؤجل التنفيذ، المعلّق على شرط الرضا المحلي والاصطفاء لبنود المشروع حسب الظرف والمرحلة!! ونخشى أن يسقط برمته تحت وقع غياب الارادة والخشية المتزايدة من التهديدات القادمة عبر مختلف الوسطاء. ورغما عن ذلك فنحن على يقين بأن الحل ممكن شريطة الاصرار عليه والقبول بأطرافه الوطنية دون سواها من بدائل.