لقد كدح العرب كثيرا، بمختلف مواقعهم ومسمياتهم، ولم يدّخروا اي جهد لكي يحققوا الهزيمة لأنفسهم والسقوط والاحتلال لبلد من بلدانهم، وقد يكون في ذلك حكمة وتعقل او سفاهة وعته، علم ذلك عند الله، او عند فن الرواية ان كانت لوجه تعالى... وفي كل ذلك فإن العرب لم ينالوا الا ما هم جديرون به، وما يستحقونه تماما دون ظلم ولا تحيّز. فهم الظالمون المتحيّزون الذين ينتهكون ابسط حقوق الانسان، بل لا يعترفون بالانسان اصلا، سواء كان ذكرا ام انثى. وليس شبه الجزيرة والخليج العربيين، مثلا، سوى خليجا من السائل الأسود الهائل للاعتداء على الانسان وكرامة الانسان. اسألوا في ذلك »البدون«، واسألوا الباكستانيين والايرانيين والهنود، من العمال عند العرب، الذين هم في مرتبة اقل من الدواب، من حيث المكانة والمعاملة. لست استثني عموم الشرق ولا عموم مغربه العربي من حيث قيمة الانسان فيه. ولا فرس الاسلام المتشيّع لفارسيته. ولا تركه المتروك لأمجاده الامبراطورية السنية الغابرة الذي لم يعرف كيف يخدم بها الاسلام ولا كيف يمنحه دورا يليق برصيده الحضاري. كان العراق وحده، عراق الدكتاتور صدام حسين، كما يسمونه، شاذا في واحة نعيم الشيوخ والملوك والأمراء والرؤساء الذين كانوا متمدنين وديمقراطيين الى اخر ضرس في افواه سلطاتهم المطلقة الصديقة لدول الغرب ولأمريكا. كان العراق وحده لا يشبه الخليج، وكثيرا من دول العرب والاسلام، رغم تخبطاته وقسوة شروطه الجغرافية وتحدياته الاستراتيجية التي لم يعرف كيف يحلها سلميا ولغويا، ولذلك كان لابدّ مما ليس منه بدّ. والبدّ هو صفة من صفات الله في اللغة العربية. الحياة مثلما يقول عنها الشاعر الالماني ريلكه في رسائله لشاعر شاب: »محقّة في كل الاحوال«. لذلك فأمام الرواية العربية فرصة نادرة لتتأمل في الحياة المحقّة، والحياة الحقّة وفي واقع هزيمة انسانها العربي ولغته، وفي واقع كل انسان مهزوم ولغة مهزومة. فيما يخصنا ان هزيمتنا ليست بنت البارحة، ولكنها تمتد لقرون عديدة هي بالضبط، عمر انتصار خصومنا علينا. لأنه في اللحظة التاريخية التي ذوت فيها الحضارة الاسلامية، عندما غادر العرب الأندلس وتقهقروا الى ما وراء بحر طارق بن زياد. كان وقتها كريستوفر كولومبس يتحرك من الاندلس ليجوب بحارا اخرى ادت به الى اكتشاف امريكا، صاحبة الحضارة الجديدة والشابة، المفتونة بنفسها افتتانا شديدا ومرعبا. اجدّ حضارة في الكون والأكثر بريقا وإشعاعا من كل الحضارات السابقة. هي الآن مطلق الزمان تلتقي بأقدم وأعرق حضارة في مطلق المكان، سميت مهد الانسان والحضارات والكتابة والرواية. اية لحظة من التعارف الدرامي نتابع. هل هذا من حظنا الانساني او من سوء حظنا، على الرواية العربية الراهنة، او المقبلة، ان تجيبنا عن هذا السؤال المحتار والمحيّر، بأن تبدع لنا معادلا روائيا فنيا لما نحن فيه وعليه الانسانية جمعاء، عسى بذلك نظفر برواية تقولنا وتخبر عنا القاصي والداني. فالحياة هي ايضا معركة روايات ومن لا رواية له لا وجود له. يصحّ ذلك على الافراد وعلى المجتمعات والقوميات. وان لم تكتب لغتنا روايتها، الراهنة لا الماضية، الخاصة بها، والتي تفهمها اللغات الأخرى وتعترف بها وتسلم لها باحقية ان تكون رواية. فسيلفّنا النسيان ونخسر هذه الدنيا وتلك الأخرى. كأن لم نوجد ولم نعش محنا وتعاسات كثيرة ومسرّات وأوهاما لا اول لها ولا آخر، عندئذ ستكون دار الفناء ودار البقاء لمن سيفرض روايته في غياب روايات أخرى. على روايتنا ان لا تنسى اننا نحن فضيحة انفسنا بقدر ما نحن فضيحة الآخرين، الذين نشترك معهم في الانسانية وفي الكرة الارضية وفي هذا الزمان الذي يحاولون حرماننا من العيش فيه، ويسعون لطرد رغبتنا المجتمعية، الوليدة والمخلصة، في طلب حداثته والتعلق بروحه في كتابته والتمتع بعيش حداثته وذلك عبر تشويه الحداثيين منا وطمسهم، والتلاعب بهم والسخرية منهم من اجل ان لا يسمحوا لنا بان نكون بشرا مثله حتى لو تنازلنا، تنازلا تاما، لمنطق روايتهم الكونية وشروطها. هل معهم الحقّ؟ لكن يستحيل ان يكون الحق مع جهة لا تعليه وترفعه فوق ذاتها وفوق الآخرين. بل ان فضيحتهم الاخلاقية ومسؤوليتهم الوجودية هي اكبر بكثير مما يعود لنا، بصفتهم قد اوكلوا لأنفسهم او نصّبهم الزمن قادة لهذا العالم، يتلاعبون به على هواهم وهوى مصالحهم وانانيتهم. فصباح هذا اليوم يرون في عرفات، على سبيل المثال لا الحصر، رجل سلام ويمنحونه جائزة نوبل للسلام، وقبل ان ينتصف النهار تتبدل عندهم الرؤية ويغدو عرفات نفسه بقدرة قادر رجل حرب، بل ارهابيا، مثله مثل اسامة بن لادن، حليفهم السابق ورجلهم العربي المسلم الأفضل والأمثل. انهم رغم تفوقهم وتمدنهم وحضارتهم المتوهجة لا يقلون سقوطا ودناءة عما نحن فيه، وهذا ايضا يصلح لكتابة الرواية... التي ليس لي عنها وصفة جاهزة ولا تنظيرات ولا قوالب لا لنفسي ولا للآخرين، لكني اهجس بأنه من الضروي ان تكون لنا رواية عربية خاصة بنا لها شكل مبتكر، ولها حساسية وملامح وعمق ووجود يدل علينا، وعلى طرافة وغرابة تجربتنا ومآزقها في الحياة، بصفتنا ننتمني للغة حضارة، انجبت افضل القصص والحكايات، وطوّح بها الخيال الى ممالك الارض قاطبة، وممالك الجن والعفاريت، وممالك الجنة والسماوات. ثم اعتراها الوهن وكادت تموت، وبقيت في حالة احتضار عدة قرون حتى عدّت ميتة او شبه ميتة. ثم فجأة، ومن اجل الاجهاز عليها يزرع في ارضها، بل في ثاني بقعة مقدسة من ارضها، كيانا اسرائىليا عتيدا ومبهرا، يعدّ نخبة الغرب الراهن ماديا وروحيا، فانتفضت لغة الحضارة السالفة، بآخر ما تبقى لها من رمق في حياتها، وراحت تترنّح يمينا وشمالا ووسطا ويسارا وفي كل الاتجاهات، وهي لا تدرك ان كانت حية أم هي ميّتة، تلبس كفن موتها مثلما هو شأن الكثير من ابنائها... ومن المؤكد ان قبرها لن يكون الا في قلب هذا العالم، اذا قدّر لها تسليم الروح. وبموتها، لا قدّر الله لها ولا للانسانية، فستفارق الدنيا بعد ان تكون قد عفّنت قلب هذه الدنيا وروحها، من خلال استجابتها ونشرها لقانون الدود في جسد كل ميّت حيواني او بشري، فما بالك اذا كان الميت حضاريا... وذلك لن يكون في صالح اي احد من البشر المتحضرين. في الختام، انا لست مولعا بالتنبؤات على غرار امثال الروائي الفلسطيني الهوية، الاسرائىلي الجنسية، الشيوعي الانتماء، المحترم اميل حبيبي، الذي كتب في سنة 1989 حسب ما اذكر في مجلة اليوم السابع، التي انقرضت خلال حرب الخليج الثانية، يقول ما معناه ان العرب قد وصلوا الى قاع الحضيض الذي ليس بعده قاع، وان كل ما سيتلو من تاريخهم هو الصعود ولاشيء غير الصعود... وكان صاحب المتشائل لا يدرك ان ما اسماه قاعا هو سقف وماض قريب نتمنى، لو امكن، مواصلة العيش فيه وفي نعيمه الزائل. حبيبي الروائي، الذي جاء للرواية صدفة بعد ان خذلته السياسة، كان متفائلا بما لا يليق بالتشاؤل ولا بالرواية، لانه لو عاش الى حد اللحظة التي نحن فيها، وعايش ما عايشناه ل... لست مولعا بالتنبؤات!! كما اني لست مغرما بتقديم الشهادات، والحديث عن كتاباتي التي هي، مثلها مثلي، مازالت على سبيل الشائعات والشفويات، كما هو شأن ثقافتنا وشأن اغلب الكتّاب العرب، حتى يتفطن اليهم المتطرفون الدينيون فيكفرون احدهم او يذبحونه، او يجد اولئك الكتاب العرب، ان واتاهم الحظ، استحقوا ذلك ادبيا او لم يستحقوا سبيلا من السبل، الى ترجمة اعمالهم الى احدى اللغات الغربية، فيصيرون، مثل قادتهم السياسيين، يستمدون سلطتهم من حيث يستمد اولئك القادة، فيتمتعون بحصانة ونفوذ اللغة التي ترجموا اليها. اللهم لا تجعلنا ممن يشتهر او يقتل على يد المتطرفين، ولا تجعلنا عرضة للتزلف والتملق، من اجل الجاه وقوة الباه والنفوذ والنقود، انك سميع عليم، رغم قلة الحيلة وسوء الحال، وضعف معنوياتنا وقلة المال، وأزيز الطائرات الحربية في سمائنا العمومية، وصخب القنوات الفضائية في فضاءاتنا الشخصية. يا سميع يا عليم. يا من نسب لنفسه قصّ القصص، احسن القصص. ايها الروائي الأكبر دعّم روايتي بدعائم معمارية باقية، فنية وجمالية، شكلية ومضمونية، من لدن خلودك في معمار هذه الحياة الفانية، وحسّن قصصي تحسينا لا يصيبه القبح ولا يخالطه الخلل، يا رب المشارق والمغارب، انك سميع عليم فأنت، انت، مسيّر الرواية في الليل البهيم. يا رحمان يا رحيم. انتهى تتمة لنص الشهادة التي قدّمها حسن بن عثمان في ملتقى الرواية العربية الذي انعقد بالرباط المغرب من 25 الى 27 سبتمبر 2003