سعيد يلتقي رئيسة الحكومة ويطلع على نتائج مشاركتها في قمة الرياض وعلى الوضع العام بالبلاد    بورصة تونس تسترجع نسقها الايجابي مع اقفال حصة الأربعاء    معهد الرصد الجوي يسند اللّون البرتقالي ل4 ولايات.. ويحذر من تشكل السيول والأودية    الرصد الجوي يُحذر من إمكانية ارتفاع منسوب المياه ودرجة الإنذار عالية في عدة جهات    المهرجان الدولي لفن الحكاية "ذاكرات" بالمنستير: نحو تخريج أكثر من ألف تلميذ حَكّاء    الأمطار تكشف عن بقايا 4 هياكل عظمية آدمية مدفونة بإحدى الضيعات الفلاحية برأس الجبل    مردود كارثي للاعبين وللمدرب الايطالي    ماذا في لقاء وزيرة الصناعة بوفد عن شركة "Valeo" لمكونات السيارات و"ايني" للمحروقات؟    الكاف: العثور على قذيفة حربية    استئناف سير القطارات على الخط الرابط بين تونس وقعفور والكاف والدهماني والقلعة الخصبة    المهندس خليفة المانع : ستاد "الثُمامة" بتصميمه الفريد جسرا للتواصل بين الثقافات    إخلاء محطة قطارات في قلب باريس إثر بلاغ عن وجود قنبلة    إخلاء مقر وزارة الصحة الأمريكية بسبب تهديد بوقوع تفجير (فيديو)    الطبوبي: لمست لدى بودن رغبة في البحث عن حلول والسعي للنجاح    مداهمة مخزن عشوائي للمنتوجات الفلاحية بنابل تكشف عن بنادق وذخيرة دون رخصة    تصريحات لجورج قرداحي تثير استياء السعودية والامارات وتتبرّأ منها الحكومة اللبنانية    جواز التلقيح سيكون عبر تطبيقة على الهاتف الجوّال دون حاجة الى الربط بالأنترنيت    لابدّ من تعزيز التعاون الثنائي بين البنك المركزي التونسي ونظيره الليبي    شيخ تسعيني يعتدي على زوجته بقضيب حديدي    بنزرت: ايقاف شاب وفتاة قاما بسلب مواطن باستعمال القوة    الشاحنة كانت تسير في الاتجاه المعاكس: حادث مرور قاتل في مدنين..وهذه التفاصيل..    باجة: جلسة للاعداد للموسم الفلاحي 2021-2022 والاجماع على أن الامطار الأخيرة غيرت مسار الموسم بالجهة    تورط إداريين من إدارة الملكية العقارية ببن عروس في قضية تدليس رسوم عقارية    أكثر من 900 ضحية اتجار بالبشر سنة 2020 في تونس أغلبهم من الأطفال    الاتحاد الإفريقي يعلق مشاركة السودان.. وقرار من البنك الدولي    الترجي الرياضي: كوناتي يواصل الغياب.. الجعايدي يغير تمركز العرفاوي.. وشبار يقصي الشتي    اضرام النّار في جزء من أرشيف المستشفى الجهوي بالقصرين    تنفيذ قرارات حجز تجهيزات بث قناة "نسمة" وإذاعة "القرآن الكريم" غير القانونيتين    تصفيات مونديال 2022 : طاقم تحكيم مالي لمباراة غينيا الاستوائية وتونس    قضية تدليس وثائق إدارية بمندوبية التربية بسيدي بوزيد: الابحاث تشمل 116 شخصا    القبض على شخص يحمل 550 غراما من "الهيروين" في أمعائه    شاكر مفتاح ينسحب من تدريب مستقبل سليمان    ألفة بن رمضان تفتتح تظاهرة أكتوبر الموسيقي بالعوينة    نظرة على السينما التونسية في أيام قرطاج السينمائية .. 32 فيلما و«على خطاوي الحرف» في الافتتاح    الرابطة 1: الترجي يستقبل اليوم النادي الصفاقسي..التوقيت والنقل التلفزي    نابل: تسجيل حالة وفاة و15 إصابة جديدة بفيروس "كورونا"    اورنج تونس تؤكد التزامها بدعم القطاع الفلاحي    جديد الكوفيد .. تدخل حيز التطبيق بداية من اليوم.. إجراءات جديدة للوافدين على تونس    قريبا سينطلق موسم انتاجه وتصديره..زيت الزيتون ثروة ستتضاعف قيمتها إن تم تثمينها    بغاية تكثيف مبادلاتها مع تونس..فعاليات متنوعة في الدورة 36 لمعرض اندونسيا التجاري    تعليق الدروس بعدد من المؤسسات التربوية بولاية نابل    مع الشروق.. حرية الفرد... حرية المجموعة    رقم اليوم: 600 ألف    المختار ذويب (لاعب دولي سابق في النادي الصفاقسي) : ال«كلاسيكو» لا يقبل التكهن ونهائي 71 في البال    أخبار النجم الساحلي: الهيئة تتصدّى لحملة التشويش على الدريدي ورهان على مزياني    القضاء البريطاني ينظر في استئناف حكم عدم تسليم أسانج لواشنطن    المخرج الصربي إمير كوستوريتسا رئيسا للجنة تحكيم المسابقة الدولية بمهرجان القاهرة السينمائي    القصرين: السيطرة على بداية حريق نشب بأحد مخازن اللجنة الجهوية للتضامن الاجتماعي    بعد عملية زراعة كلية خنزير في جسم إنسان: الأزهر يحسم الجدل    يبيع زوجته لمسن لشراء هاتف ذكي..!    أولا وأخيرا / مباشرة من باجة    جرة قلم: ألا في الفتنة ساقطون    مفتي الجمهورية: الواجب الديني والدنيوي حماية المجتمع من الفساد    مفتي الجمهورية يصدر بيانا بشأن الفساد    البرمجة الكاملة للدورة 32 لأيّام قرطاج السينمائيّة    فيديو/ "كمال الزغباني المتوغل".. مداخلة لسيلم دولة في حفلة الحياة    صور/ تونس تُحيي اليوم الذكرى 194 لإنشاء العلم الوطني    التلفزة التونسية تتوج بثلاث جوائز في المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أسترناكوس العظيم أو موت العبقري (*)
في ذكرى وفاة محمد شكري: «الموت هو اليقظة» (هنري مللر)
نشر في الشعب يوم 08 - 12 - 2007

«جمال الموت في الحضور، الحضور الذي لا يمكن التعبير عنه، حضور الأرواح المحبوبة التي تبتسم لعيوننا الدامية،اختفى الكائن الذي نبكيه،و لكنه لم يرحل.لم نعد نلمح محياهالرقيق، و لكننا نشعر أننا تحت جناحيه.الموتى هم الخفايا،و لكنهم ليسوا الغائبين». بهذه العبارة لفيكتور هوجو يمكننا أن نعبر إلى روح كاتب عربي انتزع صفة العالمية من خلال أعماله الابداعية القليلة فهو أكثر الأدباء العرب ترجمة ،عاش شهرة كبيرة جعلته محلّ احتفاء و اختلاف كبير في الأوساط الثقافية العالمية ، كاتب ملأ الدنيا و شغل الناس و مازالت أعماله قبلة القراء و الباحثين و المترجمين.
هو الكاتب المغربي محمد شكري المولود قريبا من الناظور في الرّيف المغربي سنة1935 . نزح مع والديه وهو في السابعة من عمره إلى طنجة هروبا من المجاعة التي ضربت الشرق المغربي، عاش مراهقة بئيسة مع المتشرّدين، واشتغل في مهن شتّى قبل أن يلتحق سنة 1956 وهو في سن الواحدة والعشرين بالمدرسة لتعلّم القراءة والكتابة. لم ينتظر طويلا ليكتب قصائده وقصصه القصيرة الأولى وواصل دراسته بمدرسة المعلّمين ليتخرّج منها أستاذا.
بدأ ينشر أعماله في الدوريات الأدبية العربية والأمريكية سنة 1966. قام الروائي الأمريكي المقيم بطنجة بول بولز صاحب رواية «السماء الواقية» بترجمة الخبز الحافي السيرة الذاتية لمحمد شكري الى الانكليزية و نشر الكتاب في الولايات المتحدة بعنوان «من أجل الخبز وحده» ثم ترجمه الروائي الطاهر بن جلون الى الفرنسية و نشر سنة 1981 بباريس. وقد عرف هذا الكتاب نجاحا كبيرا ليترجم بعد ذلك إلى أكثر من عشرين لغة، ولم يصدر في نسخته العربية التي كتب بها إلا سنة 1982 وسرعان ما منع في المغرب لتتكفّل بعد ذلك بنشره دار الساقي ببيروت و كانت دار الآداب قد رفضت نشره في السبعينات.
كتب محمد شكري في القصة القصيرة : «مجنون الورد «. دار الآداب، بيروت،1979،ط2، مؤسسة بنشرة، الدار البيضاء، 1985 «الخيمة «. مؤسسة بنشرة للطباعة والنشر، الدار البيضاء، 198، منشورات الجمل، ألمانيا 2000. و كتب في الرواية و السيرة الذاتية الروائية «الخبز الحافي « دار النجاح الجديد، الدار البيضاء، 1982، ص 2، 6، دار الساقي، لبنان1988. «السوق الداخلي « مؤسسة بنشرة للطباعة والنشر، الدار البيضاء، 1986، منشورات الجمل، ألمانيا 1997.»الشطار «الجزء الثاني من السيرة الذاتية دار الساقي، لبنان 1992. * نشرت بعنوانها الأصلي «زمن الأخطاء» بدار الساقي، لبنان 1992. «وجوه «الجزء الثالث من السيرة الذاتية دار الساقي، لبنان 2000.و كتب في المسرح «السعادة»، الرباط 1994. د أسترناكوس العظيم أو موت العبقري. الطلقة الأخيرة ،و نشر في المذكرات « جان جنيه في طنجة «الرباط 1993 نشرا في كتاب واحد عن منشورات الجمل، كولونيا، ألمانيا «تينسي وليامز في طنجة «الرباط 1983.»بول بوولز وعزلة طنجة «الرباط 1996، منشورات الجمل، كولونيا 1998، ألمانيا 1997. في النّقد «غواية الشحرور الأبيض»، 1997، مقالات عن الآداب العالمية، كان الكاتب قد نشرها في مجلّة «الآداب»إلى جانب حوار نشر في كتاب و رسائله مع محمد برادة بعنوان «ورد و رماد» وزارة الشؤون الثقافية 2000 .
حققت مبيعات كتب محمد شكري أرقاما قياسية فبيع من «الخبز الحافي» مثلا أكثر من عشرين ألف نسخة في عام واحد قبل أن تقع مصادرته في المغرب . كانت و لا تزال كتبه تهرّب في دول عربية مثل الأفيون و تباع كالخبز في دول أخرى منع تدريس كتابه «الخبز الحافي» بالجامعة الأمريكية بالقاهرة مع ذلك انتزع لقب كاتب عالمي و هو من الكتاب العرب القلائل الذين لهم وكلاء أعمال و وكيل أعماله روبيرطو دي هولاندا مازال يقوم بدوره حتى بعد وفاة محمد شكري فقد أبقى عليه ورثة شكري لما عرف عنه من أمانة!!! ارتبط اسم شكري بعبارات من نحو العبقرية و الظاهرة و الاسطورة ليكون أسطورة طنجة التي فشل في نحتها جان جينيه و تينسي وليامز و بول بولز و المرابط... طنجة لا تتنازل عن أسطورتها إلا لعاشق راهب مثل شكري الذي ترك الزواج ليتزوج بالكتابة. و ساند قراره بؤس ما عرفه عن الأباء الشرقيين من خلال تجربته الفريدة التي جعلته يقول للمسرحي الزبير بن بشتى «لكي أصبح أبا لابن عليّ أن أتزوج. لقد عزفت عن الزواج لأني أخشي أن أمارس على من ألد نفس التسلط والقهر اللذين مورسا عليّ. لهذا أنا أخشى أن يكون لي مولود... فأنا لا أثق في نفسي».
في الذكرى الرابعة لوفاة الشحرور الأبيض محمد شكري تتعثّر الكتابة فأشحن القلم بمراجعة مقال قصير قديم كنت قد كتبته في الساعات الأولى لرحيله مأخوذا بهول الفاجعة. بدأته بأول جملة من «الخبز الحافي» مسرودة على لسان تينسي وليامز «أبكي موت خالي والأطفال من حولي. يبكي بعضهم معي. لم أعد أبكي فقط عندما يضربني أحد أو حين أفقد شيئا. أرى الناس أيضا يبكون المجاعة في الريف. القحط والحرب»(1).
«لقد بدأت سيرتك الذاتية بالبكاء... ها ها ها... لابدّ أن تنهيها وأنت صامت، إنّ ما يبدأ بالحزن لابدّ أن ينتهي بالحزن.»(2)، هكذا خاطب تينسي وليامز محمد شكري ضاحكا وهو يقرأ السطور الأولى من سيرته «من أجل الخبز وحده» For bread a lone التي نشر جزأها الأوّل في العدد السابع من مجلّة انتيوس Anteaus، وأنهاها محمد شكري قائلا :»لا أبالي بما يسقط من أوراق شجرة خريفي، لقد أعطت لونها وثمرها وطعمها ورحيقها. كل شيء ثم كما شئت وكما لم أشأ. لا أذكر من أشجاني إلاّ ما يسترقّ من خشونتها وما يهيجني إلى ذكرى مستطابها. المرء ليس دائما هو كيف انتهى وليس كيف بدأ. فقد ينتهي بما بدأ أو يبدأ بما انتهى، إننا ما نصير إليه.»(3).
هكذا، بعد رحلة طويلة مع الجوع والحرمان والقهر والكتابة واللذّة والرعب والتمرّد نزل الشحرور الأبيض من قطار الحياة الداعر ليطير نحو المقابر التي جاء منها خبزه الحافي.حملني خبر رحيل شكري يومها إلى ما قرأته في الجزء الثالث من سيرته الذاتية «وجوه» حول رغبته الدائمة في زيارة مقابر الدنيا :»إنّها رغبة ماسّة، ملحّة لزيارة قرى ومدن الأموات في كلّ بلد أزوره حتّى ولو لم يكن فيها من أعرفه من مملكة الأموات.»(4).
سقط المارد /رحل «الشحرور الأبيض» /رحل «الكاتب المغربي» /رحل «الكاتب الملعون» /رحل «الروائي الصعلوك» /رحل «سيّد المهمّشين» وكأنّي بمحمّد شكري كان يستمع إلى خطوات الموت القادم من بعيد في كل كلمة كان يكتبها في «وجوه»، ولم يطل به الانتظار فقد وصل قطاره في موعده في النصف الثاني من شهر نوفمبر 2003 بعد أقلّ من أربع سنوات من ظهور الكتاب، كان قد قضّى معظمها محلّقا في شقّته المعلّقة في طنجة كأعشاش اللقالق أو ممدّدا على أحد أسرّة مستشفياتها. أكل الموت الرجل الذي أذهل العالم بحياته وكتبه، الرجل الذي تمرّد على قدر الجهل والأميّة ليجنْدِلهما في سنّ متأخرة، فتعلّم القراءة والكتابة بعد سنّ العشرين، القلم الذي تمرّد على أخلاقيات الأدب المتأدّب ليخلق زمن الأدب الشقيّ. وهو الذي أخرج الجنس باعتباره سلوكا إنسانيا من مقصورات الإدانة إلى نور الكتابة وهو القلم الذي فكّ الحصار على الجنس الأدبي فتعالقت في أعماله السيرة الذاتية بالرواية والشعر والمذكرات. وهو الكاتب العربي الذي فكّ الحصار عن الكتاب العربيّ ففتح له بالترجمة آفاقا رحبة، لقد قدّم شكري إلى الأدب العربي ما لم يقدّمه كاتب غيره. غاب الكاتب الحرّ الذي ظلّ يرفض صدقة الرسميّين فهو من «المثقّفين العرب الذين لا يلتفت إلى مواهبهم بسبب أنّهم لا يحظون بصداقات المتنفّذين ولا يتمتّعون بالقدرة على النفاق وتسويق أنفسهم لدى الجهات الرسمية وغير الرسمية المعنية بالثقافة والمثقّفين».(5)
اختفى الكاتب الملعون ليتركنا نواجه لعنة «زمن الأخطاء» بمفردنا. رحل متحدّيا رسائل التهديد التي كانت تصله متوعّدة له بالتصفية، منذ مدّة كان تصله رسائل موجزة :»هيئ نفسك»، «سيأتي دورك»(6) لمن تراهم سيرسلون رسائلهم اليوم وقد طار الشحرور من غرفته السطوحيّة إلى سماءات المجهول!!!
رحل القلم المشبوه فلمن سيجهّر الرقيب شباكه وفخاخه ؟ هل تراه قادرا على مصادرة انتشار روحه بين مريديه ؟ تأكّد رحيل الكاتب الذي أراد أن يكون وحيد نفسه ورفض أن يكون نسخة من الآخرين، يقول في رسائله إلى محمد برادة «في كل عصر يوجد ناس من كل العصور أنا لا أريد أن أكون نسخة من التكرار الأبدي أريد أن أكون وحيد نفسي و عصري و حياتي و لعنتي و رضائي و موتي و بعثي و تشبثي بما أنا و ما لست أنا و ما لست بعد إياه بالذي كان و بالذي لم يكن»(*) رحل كاتب الحقيقة المزعجة ليترك الساحة للمزوّرين ليعملوا مساحيقهم في الحياة ويرتكبوا معصية الكتابة الفاسدة بأقنعة وقفازات ومقصّات ومساحيق. هذه الكتابة التي وصفها شكري بالكتابة الملائكيّة :»إنّ الكتابة الملائكيّة، عن الإنسان، قد تسّلّي ولكنها لا تخدم ولا تغيّر، إننا لا نملك الحرية والخيال في الكتابة التطويرية لأنّ بعض الأنظمة العربية الرجعيّة مسكونة بمرض ازدواجية التفكير لقد قال عبد الكبير الخطيبي في كتابه «رواية المغرب العربي «نحن نسمح للدعارة أن تكون في الشارع ولا نسمح لشخصيّة روائية أن تعهر»(8) .
إنّ الصدق الذي كتب به محمد شكري سيرته الذاتية وأعماله الروائية والقصصية هو صدق عجائبي في زمن مرسوم بألوان الزيف، لقد استطاع أن ينقل حقيقة ذلك الإنسان الذي وصفه عبد الجبار العشّ قائلا :»الإنسان ذلك القرد الأملط، ذلك الطاغية، المرابي، المتعجرف النهّاب السافل الانتهازيّ المبدع الخلاّق المدهش، وقد استحال إلى خرقة، خرقة ملوّثة بالبراز، ملقاة حذو مرحاض»(9) . وصف الكاتب الملعون مرة جائزة نوبل ردّا على سؤال صحفي بأنّها «نكتة» و»مؤسسة ظالمة ومسوّسة»(10) .وتنبّأ في ذات الحوار، وهو الروائي، بموت الرواية بعد عشرين أو ثلاثين عاما ليبقى الشعر.قد يحدث أن تسقط المدن أثناء الحروب كما سقطت بغداد ولكن لم أكن أحسب قبل رحيل محمد شكري أن مدينة قد تسقط بسقوط رجل. لقد سقطت مدينة طنجة برحيل شكري، لم يكن محمد شكري مجرّد كاتب يسكن مدينة، لقد كانت طنجة هي التي تسكنه، وقد جعلت منها أعماله الأدبية وسيرته الذاتية تحديدا مدينة عجائبية ولكن»طنجة أصبحت اليوم توحي بالانتحار لمن لا يستطيع مغادرتها»(11) . هكذا وقّع محمد شكري مصيره في المكان ومصير المكان فيه. إنّ التفاتة خاطفة إلى حياة محمد شكري تجعلنا نطرح السؤال: هل خسر الرجل بموته شيئا ؟
إنّ ثراء الحياة التي عاشها محمد شكري تجعله أكثر الكتّاب حظّا، فقد كانت طفولته زاخرة بالمشاعر وبضروب المغامرة، احترف فيها كل مهن الشوارع الخلفيّة، باع الصحف، مسح الأحذية، عمل في الحانات والمقاهي، سرق، غنّى، ارتاد دور الدعارة، اشتغل دليلا سياحيا طفيليّا... وفي كهولته قهر أمّيته وتحدّى منجز نفسه التي ارتكبها القدر في حقّه، جرّب الجنون ودخل مستشفى الأمراض العصبيّة (1963)... عرف كبار الأدباء والمفكّرين ؛ جان جينيه، بول بولز، تينسي وليامز... عاش الحياة الحق ليكتب عنها بحقّ... فهل نملك حياة بهذا الثّراء؟
يحضرني مقطع من مقدّمة محمد برّادة لمجموعة لمحمد شكري «مجنون الورد»، «على العكس من معظم كتّابنا الآخرين، تعلّم محمد شكري لغة الأشياء العارية القاسية، قبل أن يتعلّم الكلمات «المعبّرة «لذلك تظل حياته اليومية هي الأساس، وتغدو الكتابة بالنسبة له إدمانا جزئيا يرفض أن يجعل منه قناعا للتجميل أو مطيّة للارتقاء في السلم الاجتماعي»(12) .
لقد عاش محمد شكري ورحل، لكن رحيلهُ ظل رحيلا فيزيقيا، رحيل جسد يعلم أنه مجرّد عرض، ليظلّ حيا في قلوب مريديه وعقولهم، عشرات العشرات من الأطروحات الجامعيّة التي واجهت أعماله الخالدة في معظم كلّيات العالم ولا يزال بعضها في طور الإنجاز. يكفي أن ترسم اسمه على إحدى المحوّلات في الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) لتنهال عليك الأبحاث والمقالات حول الرجل الأسطورة.
الموت لا يأتي إلاّ «للنهاريين» الذين يأكلون وينامون مثل البغال وإن كتبوا.. أمّا «الكائنات الليليّة» مثل محمد شكري فيُقْهَرَ تحت أقدامها الموت ويعلن طاعته. ها أنا أنهي قراءة قصّته «الكلام عن الذباب ممنوع» بقوله :»كان باب عالم الصمت الأبدي مفتوحا. عندما دخلت صفعني هواء ليل آخر. معطر وبارد. فتح باب منزل صغير وظهر شخصان قويان، عملاقان وثيابهما سوداء»(13) .هزّتني العبارات والصور وتمتمت : هل هكذا اُستقبِلْت أيّها «الكاتب العاري؟»
يباغتني صوت محمد الماغوط من أعماق شرياني المفتوح :» أحبّ أن أرثي ذلك الرجل وأنا مشوّه وطريد في تلك الأقاليم الغائمة حيث الجيادُ تصهل والقمرُ يشبّ كالحيوان خارج الوطن ...أحبّ أن أرثي ذلك الرجل _أن أحمل نعشه بيدي كاللحافه «.
توفي محمد شكري بعد 68 سنة من الأوجاع والعطاء يوم السبت 15/11/2003 بعد صراع طويل مع السرطان، أسقطه على أحد أسرّة المستشفى العسكري بالرباط وتحديدا في العمارة رقم 4. كان شكري قد قضى ليلته الأخيرة في سعادة كبيرة مع أصدقائه : عبد الحميد عقّار، حسن نجمي وكمال الخمليشي.
قيل أن محمد شكري كان و هو في رقدته الأخيرة في المستشفى يصارع السرطان «من حين إلى آخر يعود إلى دفتر صغير قرب وسادته ليسجّل عليه بعض الانطباعات» ولكنّ الأوجاع عادت إليه مع الفجر ورافقته إلى الساعة التاسعة ليدخل في غيبوبة حملته إلى الملكوت الأعلى. أوصى شكري بمقتنياته إلى وزارة الثقافة ولكنّه لم ينس خادمته «فتحية» التي خصّها بمبلغ شهريّ تحصل عليه من أحد البنوك «وهو ما يكفيها لما تبقّى من حياتها»، هكذا وقّع الشحرور آخر أنغام نبله.و هكذا سيتركنا ننتظر آخر ما خطه و هو على سرير الموت . منذ مدة قصيرة نشرت مجلة بطنجة مسرحيته «الطلقة الأخيرة» التي كان تحدث عنها كثيرا و رغم أن لنا موقفا مما كتبه في المسرح ليس هذا مجال طرحه فإن نشر المسرحية في هذا الوقت يعتبر أمرا حسنا حتى توثّق أعمال الراحل الذي صدقت نبوءته، فقد كان خائفا من هجمة التتار الدموي إخوة الكاتب على ممتلكاته و بيعها بعد وفاته و ها هو المتحف الذي ظل يحلم به مازال حلما /متحف أراد أن يجمع فيه مقتنياته الكثيرة من كتب نادرة بإمضاء أصحابها ممن عرف من الكتاب و المشاهير و غيره من الأشياء الثمينة التي كانت تزين بيت اللقلق من لوحات و هدايا .فهل تتكفل وزارة الثقافة المغربية بتجميع مؤلفات الرجل في مجلد واحد أو مجلدين مثلما سبق و فعلت مع صديقه محمد زفزاف وتعمل على تجميع رسائله إلى أدونيس و الربيعي و زفزاف و محمد عزالدين التازي ليكتمل الصورة التي بدأ رسمها محمد برادة في»ورد و رماد»؟
أقرأ الآن ما كتبه عبد الرحمان مجيد الربيعي عنه من أنه «اختار الهامش و وجد نفسه فيه واطمأن الى حياته بين أناس القاع مما اضطره لأن يكون ماهرا إلى أبعد حد في استعمال السكين فكأنه أحد أبطال قصة من قصص بورخيس، و كان لا يصعد إلى شقته إلا و السكين بيده متوقعا أن يجد لصا ينتظره في باب شقته» مجلة مجرّة ص39
كم سيحتاج الكاتب العربي الحقيقي اليوم من سكّين حتّى يأْمَن غدر الأعداء و الحسّاد و العيّارين وقطّاع طرق الإبداع ؟! سكين شكري قد يكون أنقذه من غدر اللصوص الصغار لكنه ظل يُنهبُ من الكل حتى بعد وفاته و أقسى السرقات تلك التي تأتي من المقرّبين لصوص الدم و السلالة و تجربته تشجّع كل كاتب عربي ملعون أن يستحضر قبل وفاته دستور جده ابن رشد و يحرق كل ما كتب أو يتبرع بمستحقاته إلى جهنّم مادام الأقربون هم الجحيم.و عن السرقات التي تعرض لها يقول في أحد أهم حواراته ردا على الزبير بن بشتى الذي سأله عن سبب اشتراطه للأموال على بعض محاوريه ربما إلحاحي وتشبثي بأن كل حوار سواء كان أجنبيا أو عربيا يجب أن أتقاضي عنه مقابلا ماديا هو إعادة اعتبار لما أخذ أو سرق مني؛ فأنا قد استغللت استغلالا كبيرا من طرف مؤسسات النشر الأجنبية والعربية: الاسبانية، الفرنسية، الايطالية، البرازيلية وغيرها. أما العربية فسهيل إدريس نشر مجموعتي القصصية مجنون الورد (1979) ولم أستلم منه سوى تسبيق عن طريق محمد برادة، فحتّى الآن لم يجر معي أية حسابات عن عدد الطبعات والمبيعات. ونفس المجموعة نشرتها مؤسسة الهيئة العامة لقصور الثقافة في القاهرة (1997 الطبعة الثانية) دون استشارتي. كيف يعقل أن مؤسسة رسمية تنتمي إلي بلد عريق في الحضارة تقوم بمثل هذا العمل غير الأخلاقي والقرصني (نسبة الي القرصنة)
و لكنه يستدرك بعد ذلك ليكشف عن حساسيته الشديدة و روحه الجميلة «أصبحت أطلب المبلغ الذي أستحقه سواء من القناة الأولى أو الثانية. أريد أن أستفيد من شهرتي أجنبية كانت أو عربية أو مغربية. نعم، أطالبها بدفع المستحقات إن كانت تموّلها أجهزة تجارية. أما إذا كان الصحافي مبتدئا وينتمي لجريدة أو مجلة لها انتشار محدود فقد أدعوه إلى مائدة الطعام». شبّهه هشام شرابي بجان جينيه العرب و قال أنه «جاء قبل أوانه» و لكنه كان يصر أنه سيكون ذاته دائما و لن يقلّد أحدا بل إنه كان يرفض أي وصاية حتى لو كانت من صديق عمره محمد برادة الذي كان يراسله دائما و يخبره بآخر كتاباته فيقول في رسالة إلى صديقه محمد عزالدين التازي وردت في كتابه «محمد شكري كاتب من زماننا»«كل الذين نصحوني رميت بنصائحهم إلى القمامة... هؤلاء يمثلون دور الأب في حياة الآخرين، وأنا قتلت أبي بالمعنى الرمزي ، و لا أسمع إلا إلى تلك القطط التي تموء داخل رأسي» هكذا يدّون ابن الهامش مركزية نصّه ألم يصفه الياس الخوري ب»الهامش الذي يكتب في الهامش و عنه « ؟خذل محمد شكري تينسي وليامز و كذب نبوءته الساخرة عندما قال»لقد بدأت سيرتك الذاتية بالبكاء... ها ها ها... لابدّ أن تنهيها وأنت صامت، إنّ ما يبدأ بالحزن لابدّ أن ينتهي بالحزن» فقد أنهاها شكري ساخرا من الموت بشهادة من كان يزوره حتى أنه تروى عنه قصة طريفة عندما قال أن السرطان يخشى أن يصل دماغه لأنه يعلم أنه دماغ عبقري...» وقال لطلحة جبريل هاتفيا «كنت أفضّل أن أضرب الرقم القياسي في مبيعات الكتب ليس في مرض السرطان الذي أصاب ثلاثة أعضاء من جسمي... هذا مرض تافه... أظن أن المرض أخطأ عندما اختار شكري من المؤكد أنه سيندم... ربما اعتقد أنني دجاجة بشرية ... لا أعرف من الذي يضحك و يسخر من الآخر أنا أم المرض؟»
قضّى محمد شكري جلّ حياته الأدبية يلاحق ذاته و يرمم ما تصدّع منها و باحثا عمّا نهب من طفولته سلاحه في ذلك قلم مارق فهل عرف فعلا حقيقة حياته ؟ يجيب كونديرا على سؤالنا بحزم «نموت دون أن نعرف ما عشناه» و يقول هنري مللر»من المستحيل أن يعرف الانسان نفسه تمام المعرفة، إذ تظل ذات الانسان، و بشكل ما سرّا مغلقا بالنسبة إليه» فثمة فرق كبير بين ما نعيشه و ما نكتبه عن تلك «العيشة المرذولة» أو الجميلة حتى لو كان ما نكتبه من المذكرات و اليوميات و السيرة الذاتية لأن حياة الفرد أكثر تعقيدا من كل ما نتصوّر فالإنسان يظل لغز نفسه حتى آخر لحظة من عمره و حسبه أن يسأل و يبحث و ذلك ليس بالأمر الهيّن فكم من الناس من باغتهم الموت و كل ما فعلوه طوال حيواتهم الطويلة : أكل الخبز و المشي في الأسواق.
ليس بالخبز وحده يعيش الإنسان ، هذا ما عرفه شكري من خلال تجربته التي لم تكن أبدا حافية فنحر أمّيته في سن متأخرة و هزم قدر المحلّية و أربك كل الباحثين والنقاد الذين اختزلوا تجربته في الخبز الحافي وأسطورة الكاتب القادم من الأمية عندما خرج عليهم بكتابه «غواية الشحرور الأبيض» ذلك الكتاب المعلّم و الدرس النقدي في قراءة الأدب بشمولية عجيبة متشعبة المراجع و المنابع . و هاهي الباحثة الأمريكية ساندرا ملبورن تعيد له الاعتبار في أطروحتها لتدين بول بولز الذي قدّمه إلى العالم الغربي بصفته حكواتيا أميا مثله مثل محمد المرابط الذي روى له سيرته شفويا وكتبها هو بالانكليزية وهو مشروع جمع فيه بول بولز الحكايات الشعبية من الأميين المغاربة ...فمتى يعيد النقد العربي قراءته لتراث شكري الغني بعيدا عن الآراء المسبقة و بعيدا عن الاتهام و التكفير ؟؟؟
ظل محمد شكري كاتبا صريحا حتى الإيلام و مات ناقدا «للبهموت» و»الثقفوت «العربيين و سدنة التكفير من أجل حفنة من الدولارات المضمّخة بالبترول هكذا عاش و هكذا مات رافعا أنفه حتى حتفه ليبقى مثل»شانغ يانغ» أحد مخلوقات بورخيس العجيبة ذلك الطائر الذي يأتي بالمطر. فامطري يا سماء بنصّه الأخير ما دمت عاجزة على أن تمطري بشكري جديد... في انتظار ذلك نقرأ مثلما نشرب نخب انتصاره على الموت في ذكرى رحيله الرابعة. و نتابع «العنف على الشاطئ» و مجنون الورد بخيمته في أوج السعادة يحلم بشحرور أبيض في منقاره خبزا حافيا و الشطّار من حوله بوجوه من حديد يسألون أين خبّأ العبقري استارناكوس فيُخرج إليهم ساخرا طلقته الأخيرة.
الهوامش:
* عنوان المقال هو عنوان مسرحية أعلن شكري عن كتابتها و لم تر النور إلى اليوم .
(1)الخبز الحافي : دار الساقي، لندن / لبنان، 1988، ص 9.
(2)انظر : جان جينيه في طنجة / تينسي وليامز في طنجة، دار الجمل، ألمانيا، ص ص 132-133.
(3) وجوه، دار الساقي، لندن / لبنان، 2000، ص 159.
(4) المصدر السابق ص 139
(5) فخري صالح :محمد شكري الكاتب الهامشي، مجلة عمّان، العدد 95، آيار/ مارس2003، ص 81..
(6) الكاتب المغربي محمد شكري في حوار شامل وصريح : القدس العربي، عدد 2/3 أفريل 2002، ص 13
(7) كان محمد شكري من أكثر الكتّاب الذين لاحقتهم شائعات الموت.
() أنظر:محمد برادة /محمد شكري ، ورد و رماد رسائل ،منشورات وزارة الشؤون الثقافية المغرب 2000 صص 16-17
(8) محمد شكري: مفهومي للسيرة الذاتية الشطّارية، ضمن كتاب : الرواية واقع وآفاق، دار ابن رشد، بيروت 1981، ص 234.
(9) عبد الجبّار العش: وقائع المدينة الغريبة، تونس 2000، ص 53.
(10) حوار مع محمد شكري أجراه نور الدين بالطيب، الشروق، تونس 8/11/2001، ص 7 العدد 4250.
(11) وجوه / ص 108.
(12) محمد برادة: مقدمة : مجنون الورد، دار الجمل، ألمانيا، 2003، ص 8.
(13) محمد شكري : مجنون الورد، ص 79.
(14) يقول محمد شكري في خاتمة «الخبز الحافي» وهو يقف أمام قبر شقيقه الصغير الذي قتله والده:»أخي صار ملاكا. وأنا ؟ سأكون شيطانا، هذا لا ريب فيه. الصغار إذا ماتوا يصيرون ملائكة والكبار شيطان. لقد فاتني أن أكون ملاكا.» ص 228.
(15) السوق الداخلي (رواية)، دار الجمل، ألمانيا، 1997، ص ص 58-59.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.