التربية بين الاستمرارية والتجديد (2) بقلم الأستاذ: محمد الحبيب براهم (عن كتاب دروب التربية) تعرضنا في الحلقة الاولى من هذا المقال التحليلي للاستاذ محمد الحبيب براهم الى مجالات الجدل في الحديث عن مسائل التربية وبالاخص موضوع الاستمرارية والتجديد في مضمون التعليم ومناهج ومفهوم التربية ومظاهرها. ونواصل نشر بقية المقال: وسألني الصديق وقد أطرقت للحظات: »لئن كانت طبيعة التربية متمثلة في اختزان رصيد جوهري تتوارثه الاجيال وتطعّمه بالاضافات التدريجية المتلاصقة وهو ما يسبغ على مفهوم الاستمرارية بمعنى الاستقرار والثبات معنى اضافيا يتجسم في النفس المتجدد لهذا الاستمرار الثابت في أصوله والمتحرك في فروعه«. وواصلت بدوري مكملا فكرته: »وهذا هو تماما وجه التكامل بين مفهومي الاستمرار الدال على الاستقرار والتجديد المتضمن لمعنى الاضافة المواصلة للميدان مع تطويره وتوسيعه وتعميقه«. ولما تأملنا المناهج التربوية المعلومة منذ تبلور فن التربية ومدارس التعليم على ممر العصور للاحظنا أن أطراف المنظومة التربوية قارة ونعني المعلم والمتعلّم والمضمون والاسلوب والمجتمع والحياة، ولتأكدنا ان الاسس الجوهرية في المعرفة البشرية ضمن مواد التعليم أو محتوى هذه المواد باقية مهما اختلف الزمن أو تعاقب البشر وتداولت الدول وهو ما يثبت معنى الدوام والاستمرار والتواصل في المسيرة التربوية الانسانية. إلا أن ما يتكامل مع هذا الاقرار هو بروز الحاجة الى ديناميكية الملاحقة لتطورات ميادين الحياة وخاصة منها ما يتصل بالاختراعات العملية وفنون وسائل الحياة ومرافقها وطرق التبليغ فيها والاتصال بينها وهو ما يجعل المادة العلمية والاخبارية والاجتماعية وما يتبعها من آراء وأفكار ونظريات غزيرة الاضافات ومتكاملة الحلقات، ويحدث عنها التأثر المتحتم مع مضمون مادة التربية ووسائل التبليغ أي التعليم بحكم هذا التفاعل والتمازج الذي لا مندوحة من أن تفرزه المعايشة. فالمضمون التعليمي الذي انبثق منذ عهود الفلاسفة والمربين القدامى وما وقع إبلاغه به من أسلوب تربوي يتفاوت من فيلسوف الى آخر ومن حضارة الى غيرها سواء كان ذلك عند اليونان القدامى والاغريق أو عند المسلمين بعد ذلك أو عبر تداول حضارات الغرب المتعاقبة بعد أفول الازدهار الاسلامي في عصور الانحطاط يبقى دوما ركيزة أساسية ومرجعا قارا في الحقائق الفكرية والوجدانية والاجتماعية ورصيدا مفيدا في الاقتباس العلمي في ميادين الطب والفلك والهندسة والفلاحة والفنون. وهو ما يعطي لهذه الاستمرارية التربوية مذاقها الانساني المتواصل إلا أنه يلقي عليها تبعة ضمان الاستمرار ولا يكون ذلك إلا باحتوائها في محتواها وأساليبها على خيط التجدد والاستجابة لمتطلبات التطور الحضاري. فالمعلومات متلاحقة الجدة والآراء والنظريات في شتى العلوم والفنون متوالدة في إضافات وابتكارات وإبداعات متواصلة، مما يتطلب إدراجا لما ثبتت قيمته وصحّت فائدته ليصبح رصيدا مشاعا تتضمنه البرامج التعليمية وتتنافس في إبلاغه المناهج والطرق والاساليب التي تتدرج نحو الادق والاسلس والانجع.