ننشر اليوم الجزء الثالث والأخير من المقال التحليلي «التربية بين الاستمرارية والتجديد» المأخوذ من كتاب «دروب التربية» للاستاذ محمد الحبيب براهم. وقد تناول في الحلقتين الفارطتين موضوع الاستمرارية والتجديد في مضمون التعليم ومناهج ومفهوم التربية. ولو تناولنا هذه المفاهيم العامة في معنى الاستمرار والتجديد في شؤون التربية ونزلناها منزلة التطبيق الفعلي لقلنا ان الجهاز التعليمي الناجع هو الذي يحدد الأصول المعرفية الثابتة على الصعيدين الانساني الخالد او الذاتي المتصل بالهوية في تاريخ البلاد وبمكونات خصائصها المميزة فيدرجها ضمن المحتوى التعليمي القار ثم يكمل ذلك المحتوى بالمضامين التي تمثل ظواهر هامة وعلامات توقف فكري او علمي او اجتماعي لابد من دراستها والالمام بها والبناء المرحلي في مواكبة التطور عليها، لان خيط المعرفة الانسانية لا ينقطع أبدا الا أنه متكون من حلقات استرسال متواصلة في تكامل بديع. ويبدو مجال التطوير أوسع في مسألة الطرق والأساليب والوسائل التي تستعمل للتبليغ التربوي، فالتجديد فيها ضروري والاثراء بالاقتباس والتوليد والابتكار متحتم نظرا لتطور مظاهر الحياة المحيطة بالمؤسسة التعليمية. إن التجديد مطلوب وحيوي في المضمون التربوي المتحول والأساليب التعليمية المدعوة الى التطور، ويكوّن كل ذلك عبر ارضية من الاستمرارية المستندة الى الرصيد الثابت والأسس الباقية في حصيلة المعرفة الانسانية. وقد تبدو حلقات التجديد والتغيير أحيانا متقاربة المدى الزمني وهو ما يدعو الى الانطلاق في كل مسعى اصلاحي تربوي من معطيات متكاملة أهمها حتمية المواكبة لمنطق التطور وملاحقة شمولية الرؤيا الحضارية في تعاقب حلقاتها مكانيا وزمنيا، مع إيلاء عنصر الاستمرار الزمني لفترة معايشة وتطبيق وتقييم الأهمية الكافية حتى ينفذ التطوير الى غاياته ويفرز الأفق الجديد المطلوب. كما أنه لابد من مراعاة عوامل التجانس والتقرب والتكامل بين الأجيال المتلاحقة في نمط تكوينها وأرضية الحصيلة التي تكونت من روافدها فلا يكون التطوير قفزا بلا رابطة سابقة بل يكتسب ملامح التأني والتشاور والتمحيص والتقييم فالاضافة للابداع الأصيل المتجدد. انتهى بقلم الأستاذ: محمد الحبيب براهم