«إن من أوسع مجالات الجدل في الحديث عن مسائل التربية موضوع الاستمرارية والتجديد في مضمون التعليم ومناهج ومفهوم التربية ومظاهرها. وإني وإن كنت لا أطرح هذا المحور لرأي قاطع فيه، فلا قطع من إنسان في هذا الشأن، إلا أن إثارته كفيلة بالدفع الى مزيد التفكير... وأجبت بعد تأمّل: «إن التربية تنطلق من معطيات فكرية ونفسانية وعلمية تتطلب الدقة والوضوح والتركيز، ومتى ما تجمّعت حصيلة معرفية ثابتة في محتواها وأسلوبها، وجب الحفاظ عليها واختزانها باعتبارها رصيدا قارا في الحصيلة البشرية التي تتوارثها الاجيال لاهميتها وفائدتها واعتماد كل جديد في منطلقه عليها. ولابد للوصول الى هذا الرصيد الثابت من تفكير وبحث وتجربة واستنتاج وتقييم لتنبثق المسائل والمناهج التي يقع اختيارها لالزام مجموعة بشرية عامة بها، يعتمدونها في تكوينهم منذ الطفولة ويسنّون على ضوئها خطوات حياتهم وحاجيات مجتمعهم. وتصبح الاستمرارية الى حد هذا المفهوم خاصية واجبة. فالرصيد المعرفي البشري المتوارث، والتكوين التدريجي للفرد وللمجتمع، والاضافة المنبثقة عن مخاض الممارسة الفعلية، عوامل داعية الى قرار مبدإ الاستمرارية في المضمون التربوي المتناقل والمحدد في قوالب البرامج التعليمية. كما أن أسلوب المخططات التدريجية الشاملة في النهضة بشؤون البلاد عامة تفترض تخصيص حيّز من المخطط العام لمخطط جزئي خاص بالتربية والتعليم ليحصل التنسيق الناجع والتماشي المطلوب بين هذا الميدان وبين باقي الميادين الاخرى. ولا يغيب أن ضمان الثبات في التكوين الوجداني والذهني يتطلب تواصلا بشريا نابعا من حصيلة المعرفة أو لا مندوحة إن وجب تطويرها من الانطلاق منها وهو ما يفترض سلفا الاطلاع عليها والتمكن منها. فالاستمرارية لا تعني الجمود أو الركود بل هي الحفاظ على المكتسبات المعرفية الثابتة وضمان تبليغها بصورة مسترسلة كأرضية صالحة لجميع الفئات والازمان. وهي من هذا المنطلق صنو الذود عن مقومات التكوين الاساسي القار. إلا أن هذه الخاصية المميزة للطابع التكويني الثقافي العام في التعليم تتكامل مع خاصية أخرى لا تقل عن الاولى أهمية ويتعاظم دورها بتطور الزمن، وهي التجديد والتطوير التربوي. فميدان التربية بحكم نوعية أرضيته التي تعتمد مكونات الفكر والوجدان والموهبة بصنوفها والمهارات بأنواعها مدعو دوما الى اتباع نهج الحركية الدائبة والحيوية المتواصلة باعتباره ميدان التفكير والتكوين والاعداد للخوض في الحياة بسائر متطلباتها المتجددة. وهو جزء من جوانب متعددة في هيكلية ميادين المجتمع ومستلزمات الحياة وقوانين التاريخ، فلابد له والحالة تلك من التفاعل مع هذه الجوانب الاخرى التي طرأت عليها وتلحق بها باسترسال ظواهر التغيّر والتحوّل. فالابداعات الثقافية والانجازات العلمية والثورة الاعلامية التي يكاد لا يطلع عليها فجر إلاوفي جرابها الجديد مضمونا وفنيات وآفاقا، عوامل تدفع الى الاضافة الفكرية والعلمية والاجتماعية للمحتوى التعليمي والاثراء الفني والعملي لمناهج التربية وأساليب التعليم وطرق التكوين. والتجديد سنّة الكون الدائمة، لذا تتطور الحياة في شتى مظاهرها، وأكثرها دعوة للتحول المتواصل للحفاظ على مواقع الريادة والتأثير ميدان الخلق والابداع، والتربية أرضية التمهيد لهذا الميدان فلا غرْوَ ان كان التجديد مطلبا في كنه ذاتها وفي صلب مكوّناتها.