تجمع مختلف التقييمات على ان قطاع التعليم العالي، يعيش اليوم، ازمة عميقة جراء غياب التمثيلية النقابية، كان يمكن تلافيها بقليل من الحكمة والموضوعية. فبعد ان اعترفت المركزية النقابية بالنقابة العامة المنبثقة عن مؤتمر تونس المنعقد في اكتوبر 2001، واعتبرتها في مراسلاتها الرسمية، شرعية وقانونية، لجأت بشكل متسرع، الى حلها والدعوة الى عقد مؤتمر آخر بنزل اميلكار في جوان 2003 . وبغض النظر عن تضارب الآراء وتناقضها ازاء مؤتمر اميلكار، كان يمكن ان يكون مناسبة مثلى لتعميق الحوار بين مختلف الاطراف النقابية على تباين مشاربها من اجل تلافي النقائص والعمل على خلق حالة من الوفاق النقابي تفضي بطبيعتها الى خروج متدرّج من الازمة ومغادرة «النفق المظلم» وتجنب الاقصاء لأي طرف كان. ولكن اطرافا معينة داخل المركزية النقابية فضّلت، كالعادة اختصار المسافات واللجوء الى الحلول السهلة والهروب الى الأمام بحكم ان التقليد السائد في مجتمعاتنا هو تقليد التسرّع والارتجال! ورغم كل الاخطاء السابقة استبشرت الاطراف النقابية بمشروع الهيكلة الجديدة، المنبثق عن مؤتمر جربة الاستثنائي وعن اجتماع الهيئة الادارية يومي 18 و19 مارس 2004 الداعيين الى توحيد الاصناف المهيكلة وغير المهيكلة في ثمانية وعشرين هيكلا قطاعيا. فمشروع الهيكلة الجديدة يمكن ان يمثل بداية فعلية لخروج القطاع من ازمته شريطة ان يتلازم ذلك مع فتح ابواب الحوار مع مختلف الاطراف النقابية دونما اقصاء. كما تقتضي مصلحة القطاع القطع مع التسرع ومع اسباب التوحيد القسري المنافي تماما لمضمون الهيكلة الجديدة والابتعاد عن تكريس اسلوب الزعامة العقيمة. فإذا كانت المركزية النقابية حريصة على الخروج من الازمة وانقاذ القطاع من «النفق المظلم» فإنه من الضروري توفر الارادة الصادقة في تلافي الازمة واقتراح حل يحظى بقبول كل الاطراف. كما يتوجب ان يتم الحل في اطار الهيكلة النقابية الجديدة وليس خارجها، من اجل توحيد مختلف الهياكل النقابية القاعدية. وأما محاولة الالتفاف على الازمة والابقاء على الهياكل الراهنة، كما هي فإن ذلك لا يشكّل اي حل جذري، ولئن كان ذلك يقتضي في المقام الاول توفر الارادة النقابية على حلّ المشكلة العالقة :حرص النقابيين انفسهم على القطاع وتجندهم من اجل صيانة مكتسباتهم والدفاع عن حقوقهم. فحالة الاستقالة هذه لا يمكن الا ان تكرّس الازمة وتعطل ارادة القطاع ودوره النقابي والوطني. فالاستمرار في ممارسة لعبة الهروب الى الأمام لا يمكن ان يشكل حلا للازمة العويصة ولا يمكن ان يكون منطلقا لبناء نقابة قوية قادرة على الدفاع عن القطاع والنهوض بأهله.