(إطار تربوي متقاعد تونس) تحضرني خواطر ومواقف عدة في هذه الفترة بعد الاعلان عن نتائج الباكالوريا في دورتها الاولى. فقبل أيام كان الجميع متلهفا لتلك النتائج. ويأتي يوم الاعلان عن النتيجة يكثر الاكتظاظ على الموزع الصوتي وعلى الهواتف القارة والهواتف النقالة وقد تنقطع الحرارة تماما لساعات وساعات، وهو ما يجعل البعض يتلجئ الى مواطنينا بالخارج للتعرف عن طريقه على النتيجة دون انتظار الاعلان عنها بمركز الكتابي. انها لهفة التونسي، وتلك عادته ولكنها هذه المرة لهفة محمودة باعتبارها لهفة على العلم والمعرفة هي لهفة غذاء العقل والروح لا لهفة غذاء الجسم. وكيف لا يتلهف التونسي وكيف لا يتوق الى النجاح في شهادة ما انفكت منزلتها تتدعم فهي بالاضافة الى كونها مفتاح الارتقاء الى صفوف الطلبة بالجامعات والى كونها مفتاح الشغل لمن أراد أن يبحث عن الشغل والى كونها مفتاح المرتبة الاجتماعية فحاملها يتباهى بذلك، ويعتبر غير حاملها بأنه لا يحمل حتى شهادة الباكالوريا بالاضافة الى كل ذلك فإنها اي شهادة الباكالوريا اصبحت هي اول شهادة يتحصل عليها التلميذ بعد ما لا يقل عن ثلاثة عشرة سنة من الدراسة، وذلك بعد ان تم الغاء الشهادة الابتدائية وتم الغاء امتحان الارتقاء الى السنة الاولى من التعليم الثانوي والذي يعبّر عنه بالسيزيام وبعد ان اقتصرت شهادة ختم التعليم الأساسي على من يرغب في اجتياز امتحانها دون ان يكون النجاح فيها شرطا للارتقاء من التعليم الاساسي الى التعليم الثانوي. وشهادة الباكالوريا تُطلب في كل المناظرات، مناظرات الانتداب او الارتقاء وفي كل الامحانات وصاحبها مطالب بالاستظهار بنسخة منها في كل امتحان او مناظرة ولو كان يحمل شهائد أخرى أرقى. لكل هذه الأسباب حافظت الباكالوريا على قيمتها لا العلمية فحسب ولكن المعنوية ايضا بل اني أكاد أقول ان وعي المواطن التونسي بفضل ما عرفه من تراجع في نسب الامية وبفضل تطوره الثقافي ساهم في تدعيم قيمة شهادة الباكالوريا، فقد ولى الزمان الذي لا يعرف فيه الولي المستوى الدراسي لمنظوره وربما حتى المدرسة التي يزاول بها تعلمه وولى زمان تسليم الوالد ابنه الى المعلم قائلا له : «حاسبني بالجلد» او «أنت مكاني» أو «أنت أدرى مني بمصلحته»... ولى الزمان الذي يدخل فيه الابن على أهله مبشرا بنجاحه دون ان يكونوا على علم بتاريخ الاعلان عن النتيجة او ربما حتى باجتيازه الامتحان. ولى الزمان الذي كان ينتظر فيه المترشحون ان يعلن على صفحات الجرائد عن اسماء الناجحين باستثناء المحظوظين الذين لهم أقارب او معارف بالعاصمة حيث كانت مراكز الاصلاح مركزة بها ويتم الاعلان عن نتائج كل سلسلة تباعا بمجرد الانتهاء من المداولات عن طريق مضخم الصوت ثم عن طريق التعليق. وبما ان المداولات تدوم اياما فإن الاعلان عن النتائج كان يمتد طيلة تلك الايام ويحدث ان يعلن عن نتائج مجموعة من التلاميذ ينتمون الى نفس القسم ونفس المعهد في يوم بينما لا يعلن عن نتائج بقية المجموعة الا بعد يومين باعتبار المجموعتين لا تنتميان الى نفس السلسلة، وهو ما وقع تفاديه فيما بعد ليقع الاعلان عن كل النتائج في نفس اليوم ونفس الساعة تقريبا مراعاة للعدالة والمساواة بين كل المترشحين. وتزداد قيمة شهادة الباكالوريا كلما ارتفع المعدل الذي نجح به المترشح فيها باعتبار مناظرات التوجيه الجامعي، وأقول مناظرات لأنها تعتمد على اختيار الطالب بالنظر الى معدلاته وجملة من المقاييس الاخرى العادلة الموجودة بكل تفصيل في دليل التوجيه الجامعي الذي يتسلمه كل مترشح والتي يقوم بشرحها له المسؤولون بإدارة المعهد والأساتذة والمرشدون في التوجيه المدرسي والجامعي. وعلى هذا الأساس نفهم لماذا يتنافس المتنافسون من الطلبة وحتى من الاولياء ومن المسؤولين على الفوز بنسب نجاح أرقى وأحسن من غيرهم. فهذا التنافس وان كان نزيها وبنّاء فإنه يجب ألا يتجاوز حده حتى لا يبلغ ضده فما الفائدة من مقارنة نتائج الولايات مع بعضها البعض وما الفائدة من مقارنة نتائج معهد وآخر؟ واذا كان لابد من هذه المقارنة فلتكن مبنية على أسس علمية وفي نطاق اداري وتربوي للتعرف على مواطن الخلل. أما نشر هذه المقارنات بالصحف والفوز بقصب السبق (الصحفي) في الاعلان عنها، فإنه في نظري لا يولّد الا الحقد والغضاء ومن شأنه ان يخلق الحزازات بين الجهات وبين المعاهد. وكذلك الامر بالنسبة الى مقارنة الاهل لنتائج أبناء العائلة الواحدة او لنتائج أبناء الاقارب، فلكل ظروفه ولكل معطياته، فدور الآباء تهنئة الناجحين مهما كان المعدل الذي نجحوا به والرفع من معنويات الابناء المؤجلين، وقد يكون النجاح في دورة لاحقة بمعدل محترم أحسن من النجاح منذ الدورة الاولى بمعدل لا يؤهل لاقتحام ما يرغب فيه الناجح من دراسات عليا. قال تعالى : {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شرّ لكم}.