بيروت : كتب عبد الرؤوف المقدمي أزعم أنني واحد من الذين يعرفون مصر، بل وجيدا: فقد زرتها 9 مرّات، وعرفت «حواريها» ومناطقها الشعبية، وأحياءها الراقية وأماكنها الفخمة، وحاورت مسؤوليها ومفكّريها، ولي فيها صداقات و»معارف». جبتها طولا وعرضا، وولجت الى ضميرها، وتحسّست الكثير من أسرارها، ولكنني لم أكن أنوي الكتابة عنها في هذه الأيام، لولا الاهتمام الزائد لوسائل الاعلام الذي انطلق من: * حديث أوّلي حول تغيير حكومي قادم كشفته لأول مرة صحيفة «الأهرام» الرسمية، مما يعطي للخبر كل المصداقية، وإن كان شكل التغيير والمغادرين لا يوجد إلا في رأس الرئيس مبارك. * حديث ثان تزامن مع خبر التغيير الحكومي حول صحة الرئيس مبارك الذي تخصص له يوميا الفضائيات المصرية خاصة، مساحة كبيرة تطمئن على حالته وتقول إنه لا يتابع فقط الشأن الداخلي الذي فوّضه للوزير الأول عاطف عبيد، بل وأىضا الشأن العالمي والقضايا الدولية. وقد يمكن لهذا كله أن يكون عاديا وأن لا يدعو الى الكتابة لولا أنّ الواحد تذكّر عددا أخيرا لمجلة «النيوزويك» الشهيرة، خصصت الصفحة الأولى كلّها لصورة نجل الرئيس (وإن كان السبب بلا داع يعكسه المقال) وعنونت الغلاف بكلام يثير على الأقل الانتباه: إنسوا العراق مفتاح تغيير الشرق الأوسط في القاهرة. * وهذا بعض ما جاء في المقال: * إذا كانت الدول الثماني (تقصد قمة الدول الصناعية الكبرى التي حضرها بعض (الرؤساء العرب) ترغب بالفعل في نشر الاصلاح في المنطقة فعليها أولا النظر باتجاه القاهرة. * (بعد ديباجة كاملة تنقد الأوضاع في مصر)، تقول المجلة: إن مصر قد تكون النموذج الأفضل المتاح أمام العالم العربي لنشر عدوى الاصلاح السياسي الذي تحتاجه المنطقة بشدة، ويقول أحد مسؤولي خارجية ادارة بوش «من الواضح أن الآمال الكبرى على العراق ليكون منارة التغيير لن تتحقق على المدى القريب». فالتجمع على مائدة الغداء في جزيرة «سي آيلند» شمل دولا (عربية) إما صغيرة الحجم أو مهمّشة الى حدّ كبير بحيث أن تأثيرها لن يكون كبيرا، لكن مصر بسكّانها (75 مليونا) تعتبر مركز العالم العربي، كما أنها لعبت دورا تاريخيا باعتبارها بؤرة للثقافة العربية الحديثة. وتقول المجلّة : * شخصيات معارضة وديبلوماسيون غربيون يقولون ان المادة الخام موجودة هنا.. والكثير من الدول العربية مضطرة للبدء من نقطة صفر لإيجاد حم تمثيلي فيها، إذ ليس لديها أي إرث ديمقراطي، وأي مظهر من مظاهر المؤسسات الديمقراطية، أما مصر فتملك الاثنين معا، برلمانها تأسس عام 1866، وفي الفترة بين سنوات العشرينات وفي الثورة التي أوصلت ناصر الى السلطة عام 1952 انتعشت الديمقراطية مع أنها كانت تحت الوصاية البريطانية المكروهة جدا. وخلافا للكثير من الدول العربية التي رسمت حدودها في الرمال الاستعمارية، فإن في مصر شعورا قويا بالهوية وبالشرعية. وبالتالي فإن اعادة الديمقراطية المصرية الى مسارها لا يتطلب اختراع عجلة لكن المطلوب هو جعل هذه العجلة تتحدرج من جديد. * وجاء في المجلة لكن كل شيء في مصر، السياسة، التعليم، وخاصة النمو الاقتصادي يبدو وكأنه مجمّد، ويقول رجل أعمال مصري شاب «إنها كسيارة صغيرة بمحرك تزداد قوته لكن هيكلها في مكانه». ويقول أحد المعارضين، في عام 1987 كنا 100 شخص في البرلمان كلنا من المعارضة أي نحو ربع المجموع الكلي الآن، لا نكاد نمثل شيئا. * واشنطن التي وضعت تركيزها على العراق لا تدفع كثيرا في اتجاه التغيير في القاهرة.. وحكومة مبارك ليست وحدها التي ترفض الخطط الأمريكية (الديمقراطية) فالمواطنون العاديون أيضا يرفضون أن تملى عليهم كيفية التغيير. * هناك انتخابات جديدة مقرّرة العام المقبل لمنصب الرئيس ولمجلس الشعب، وإذا بقي مبارك في صحة جيدة فمن المتوقع أن يخوض الانتخابات لفترة أخرى وربما من دون منافس (وبعد ديباجة جديدة) تقول : فلو تمكّنت مصر من بدء مرحلة جديدة تكون فيها الممنوعات أقلّ ويصبح بالامكان تحقيق أمور كثيرة فإن ذلك سيشكل خطوة أولى جيدة نحو تحقيق أمر ملح في عصرنا هذا (الديمقراطية). إلى هنا انتهى كلام المجلة الكبيرة، ولا بدّ من الملاحظات التالية: أولها أن «النيوزويك» في نسختها العربية هذه، تطبع بمطابع دار الأخبار المصرية ومن هناك توزع للدول العربية ولمن يريد أن يقرأ بالعربية. وثانيها أن الصور المعتمدة في المقال تتراوح بين صور لجلاّس مقهى يدخنون «الشيشة» وسط لا مبالاة تامّة، وصور لراقصة شرقية شبه عارية، وأخرى لإمرأة بائسة فقيرة تحمل على كتفها طفلا مكلوما. وثانيها أن الرئيس بوش قال في غمرة فشله في العراق منذ أسابيع ان مصر كما كانت قاطرة للسلام عليها أن تكون قاطرة للديمقراطية، وثالثها وهو الأهم ما قيل عن معادلة أن المطلوب استراتيجيا في المنطقة هو أن يكون العراق الهدف التكتيكي، والسعودية الهدف الاستراتيجي، ومصر الجائزة الكبرى! والأهم من ذلك كله هو أن لعبة رقعة الشطرنج في المنطقة متواصلة وان كانت مرتبكة، فتارة يتحرك الرخ، وتارة الفيل، وطورا البيدق وهكذا دواليك. أقصد لعبة الشرطنج الأمريكية غير الماهرة، وهي تذكّرنا بكتاب هام آخر كتبه أمريكي أمني أصيل تحت عنوان: «لعبة الأمم» وها هي الأمة العربية كلها تتقاذفها الأرجل في لعبة أمم. إنها مجرد خواطر «بيروتية»، تخنق خصوصا أن رطوبة بيروت أكثر من خانقة.