لم تمر عملية ما سمّي بتسليم السلطة الى العراقيين دون ان تثبت ان أولئك الذين جاد عليهم الزمن الامريكي بأن يحكموا العراق انما هم في حاجة الى عملية تأهيل وإعادة إدماج ليتخلصوا من حالة الاغتراب التي تنتابهم وليقلصوا من حجم الفجوة بينهم وبين الشعب العراقي الذي أكد أنه يرفض ديمقراطية التعيينات والعلاقات العامة. فقد تعهد مسؤولون في سلطة الاحتلال الامريكي بتأمين الحماية الشخصية لاعضاء الحكومة العراقية المنصبة على امتداد الاشهر السبعة القادمة، وهو ما يثير الريبة على مستويين أولهما ان سلطة الاحتلال في العراق قائمة رغم الادعاءات بانحلالها ورحيل رئيسها بول بريمر بغير رجعة بعد موعد 30 جوان «التاريخي» وانما تغيرت المسميات فحسب، ربما من الاحتلال الى الحماية، وثانيهما ان هذه الحكومة التي تسلمت مقاليد السلطة المزعومة ابعد ما تكون عن الوطنية وعن تمثيل الشعب العراقي حتى بات اعضاؤها لا يشعرون بالامان في «بلدهم» وان وصفهم احد الملاحظين الاشد نزوعا الى تأييد السياسة الامريكية في العراق بأنهم وطنيون. ثم ان عملية الحماية هذه ستؤمنها شركة أمريكية حصلت على عقود بمبالغ طائلة من سلطات الاحتلال منذ أفريل من العام الماضي وقيل انها معروفة بتورطها في فضائح أخلاقية حين عمل موظفوها كقوة شرطة دولية لحفظ الأمن في البوسنة وحين أتلفت من قبل مساحات شاسعة من الحقول الزراعية في الاكوادور وتسببت في تفشي امراض غريبة في صفوف المزارعين بسبب الاسلحة البيولوجية التي ألقتها طائراتها بدعوى مكافحة المخدرات. فمن أين يأتون بهذه العصابات لتأمين حمايتهم هم الذين يزعمون انهم وطنيون وأن من الاولويات المطروحة على أجندتهم توفير الامن وإرساء الاستقرار في العراق؟ وكيف يدير هؤلاء شؤون العراق ان كانوا لا يخرجون من المنطقة الخضراء وسط بغداد للتجول في العاصمة العراقية الا تحت حراسة مشددة على أنهم لا يجرؤون على التنقل الى المناطق الاكثر سخونة في العراق حيث تزداد حدة الرفض الشعبي وتتصاعد وتيرة المقاومة للاحتلال وبيادقه. فأنى لهم الأمن وفيهم العميل ومنهم من تجاوز هذه الصفة بقليل، أو كثير وصار يجاهر ويفاخر باستقدام قوات الاحتلال الى العراق للاطاحة بنظام الحكم فيه، ومنهم من يزايد على ذلك ويذهب حد الافصاح عن انتشائه لسقوط العراق بيد الاحتلال الامريكي... أنى لهؤلاء الامن في العراق وقد أمضوا أنصاف أعمارهم أو ما يزيد بعيدين عنه، جواسيس مجندين لدى أجهزة المخابرات الامريكية والبريطانية، فما قدموا اليه الا شامتين طامعين متخذين من المروحيات العسكرية الامريكية مطية لهم... وليس أدلّ على ذلك من عملية الفرار الجماعي التي أتاها أعضاء مجلس الحكم المنحل لدى تشكيل الحكومة الحالية، لا أحد منهم بقي في العراق ولا أحد يرغب في ذلك لان العراق ليس لهم، ولا هم منه، إنما هم أدوات لتجميل الاحتلال، الى حين. ومما زاد في نفور الشعب العراقي من هذه الحكومة المنصبة دعوات أعضائها المتكررة الى وقف المقاومة ووضع السلاح ووصفهم مقاومي الاحتلال بالارهابيين وقد صاروا بذلك أشد تطرفا من بوش نفسه الذي اقر يوما بأنه لا يحتمل رؤية بلده محتلا وانه سيقاوم الاحتلال ان قدر عليه ذلك. وانما هم بدعواتهم تلك يوهمون العراقيين وأنفسهم أولا بأنهم سيجلبون الامن للعراق مع اصرارهم بل مناشدتهم قوات الاحتلال بالبقاء ما أمكن من الوقت في العراق، وغايتهم في ذلك ظاهرة وهي توفير غطاء لهم قد يعوضهم عن شرعيتهم المفقودة، وما هو بفاعل... وفي كل ذلك يبقى السؤال قائما: من يوفر الامن للشعب العراقي اذا كان المؤتمنون عليه عاجزين عن تأمين أنفسهم؟