عندما بدأت كتابة هذا المقال، كان الفنان المنجي الورفلي مايزال يحتفظ بالحماس المترتب عن دفء اللقاء الذي كان له مع وزير الثقافة في خمسينية صليحة الذي مرت عليه عدة أشهر. ظل يكرر لي مدفوعا بمجد وكبرياء تاريخه المسرحي الذي يمتد على أكثر من أربعين عاما وبأمل غير محدود في المستقبل كيف أن السيد عبد الرؤوف الباسطي قد قال له في ذلك اللقاء مشجعا: «الفنان لا يتقاعد». مايزال الفنان المنجي الورفلي كما عرفناه منذ العصر الذهبي لفرقة المسرح بالكاف: أسمر، نحيلا، بلحية أسبوعين، بالغ الهدوء والأدب الى حد مفاجئ لرجل تعود على عنف الأدوار المسرحية الدرامية في تلك المرحلة التي لم تحكمها مضخمات الصوت، «نحيف لأنه لا يأكل إلا الثقافة، وهي لا تسمن»، كما قال لي عنه صديق مشترك. لم يتغير فيه سوى لون شعر رأسه الذي أصبح رماديا. ملامح وجهه ماتزال توحي بقسوة زائفة قال لي عنها أحد أصدقائنا المشتركين: «لا شك أنها تعود الى انطباعات مراهقتك عن دوره صاحب الشرطة في أحد مسلسلات التلفزة». في الواقع كان الفنان المنجي الورفلي قد بلغ سن التقاعد الإداري، بيد أنه ظل مدة طويلة يفكر فيما سيفعله بتقاعده المفاجئ مثلما يفكر صياد قديم فيما سيفعله بجثة فريسة وجدها ميتة، خصوصا وهو الذي قضى أغلب عمره يعتقد أن رجل المسرح لا يعرف الراحة. وهكذا بدت له كلمات الوزير مثل حبل النجاة. بعد ذلك لم أحس لديه في أية لحظة من لقاءاتي الكثيرة به أنه يسعى الى منفعة شخصية ما. ولما تأخر نشر هذا المقال قال لي مرة: «إذا كنت تعتقد أن نشر مقال عني سوف يسبب مشاكل فلا تنشره» ألمني ذلك، فيما إذا كنت أحس أني لم أعرفه بعد بما يكفي لكي أوفيه حقه في مقال أيا كان حجمه. تذكرت أننا في أعوام مجد فرقة الكاف، كانت المدينة كلها تعيش على وقع مسرحيتهم الجديدة، فيما أصبحنا اليوم نتفقدهم ونبحث عنهم حتى لا يموتوا في الصمت والعزلة. من الكاف إلى «بر تونس» تأخر نشر المقال لأني كنت محتاجا لاستغلال كل لحظة لفهم سر النجاح الذي حمل اسم فرقة الكاف إلى أصقاع البلاد وخارجها. ثم إنه كان يرفض الحديث عن دوره في الفرقة، ولا شك ان ذلك عائد إلى كبريائه التاريخي، حتى أنه حدثني مرارا ودون أي مبرر عن الظروف القاسية التي استلم فيها إدارة الفرقة المسرحية القارة بالكاف والتي خلفت له ألما عميقا لا شفاء منه. كثيرا ما قال لي: «رأيت بعيني كيف ينهب تاريخ فرقة الكاف، نهبوا حتى الديكور وحملوه إلى بيوتهم، إني أملك أدلة على ذلك». قبل ذلك، جمعتنا لقاءات عديدة لنتحدث عن تاريخ المسرح في الكاف وعن نهاية نجوم وأمجاد الفرقة التي تمكنت طيلة عقود من جعل هذه المدينة في قلب الخطاب المسرحي في «بر تونس»، كما يقول مرارا، حدث ذلك أعوام مسرحيات «الهاني بودربالة»، «راشمون»، «ثورة الزنج» وغيرها مما كان يعرض في ذلك العصر لأعوام أمام جماهير لا تحصى من رئيس الدولة إلى آخر مواطن في آخر قرية في البلاد. نتحدث طويلا عن الأمجاد التي رافقت كل مسرحية وعن واقع المسرح اليوم ونجومه. «كان أهم الكتاب في البلاد يتزاحمون لأجل الكتابة لفرقة الكاف، وكثيرا ما كانوا يقيمون هنا لكي يكونوا قريبا من الفرقة، فقد كانت مدرسة حقيقية للمسرح والفكر». نستحضر أسماء خرجت من كنف الفرقة لتصبح نجوما في المسلسلات والأفلام، كثيرا ما يغلبني هذا السؤال: «هل ندمت لأنك لم ترحل إلى العاصمة مثل غيرك لتصبح نجم مسلسلات تلفزية؟». «صاحب الشرطة» كررت عليه السؤال مرارا وبصيغ مختلفة، يفهمني بملامح وجهه أن السؤال خاطئ تماما. قال لي مرة وسط حديث عابر: «لم أندم على شيء في حياتي، فلا تعد على هذا السؤال أبدا». رغم الأدوار المهمة التي أداها في الفرقة، رغم الأمجاد التي كانت للمسرح فإنه لم يطرق أبواب الانتاج التلفزي لأجل دور. قال لي عنه صديق مقرب له إنه لا يحتمل أن يقف على باب أحد حتى أني أستغرب كيف قبل الحديث معك. وفي أول لقاءاتنا كنت أقارن بين صورته الحالية الودودة وشخصيته القاسية التي عرفناها في المسرح ثم في دور «صاحب الشرطة». بعد ذلك قال لي صديقنا المشترك ساخرا: «هذا من أوهام طفولتك، المنجي أبعد ما يكون عن القسوة في الواقع». بعد ذلك كانت لي الفرصة كاملة لأكتشف الجانب الإنساني العميق في شخصيته حتى أنني كثيرا ما وجدت صعوبة في تحويل الحديث إلى واقعه الأليم حيث يعيش على الوعود وعلى منحة شهرية من رئاسة الجمهورية، وهذا بعد أكثر من 60 دورا مسرحيا خلال قرابة أربعين عاما من العمل المسرحي منها ستة أعوام في إدارة الفرقة، ومايزال يقدم الأدلة ويتمسك بأنه «الوحيد الذي تسلمها وهي تعاني من الديون وسلمها وهي رابحة». الاحباط والأمل أقول له: «حسنا لقد فتح لك السيد الوزير أبواب العمل، فماذا حدث بعد ذلك؟». يفكر طويلا ثم يقول بتسليم: «لا شيء». فعلا، لا شيء حدث بعد وعد السيد الوزير في حياة الفنان المنجي الورفلي. تحدثنا عن ذلك طويلا حتى قلت له: «الوزير لا يستطيع أن يكتب نصّا مكانك، ولا أن يفرضك حيث لا يمكن، هل فكرت في كتابة مسرحية، أو في تقديم مشروع حتى لتأطير المسرحيين الشباب؟». ثمة أوقات نادرة يغضب فيها المنجي الورفلي وكان ذلك أحدها. قال لي بحدة: «حسنا، أين تريد أن أنتج مسرحية؟ أين؟ أفي في مركز الفنون الدرامية الذي يرزح تحت الديون؟ لقد تغيرت المقاييس وأصبح نهب النصوص العالمية موضة، لكني لا أقبل النهب مثل غيري». يطول النقاش، يتعقد، يقول لي في النهاية: «ثمة مشكلة هامة هنا، هي أننا نخصص عشرات الآلاف من الدنانير لأجل لاعب كرة، ولا نخصص ألف دينار لأجل كاتب نص مسرحي أو ممثل، تذكر أن إنتاج عمل مسرحي جيد يتطلب ممثلين ووقتا ودعما». أغلب لقاءاتي مع الفنان المنجي الورفلي كانت تنتهي إلى الحديث عن المشاريع المسرحية، عن الأمل في رؤية عمل مسرحي يشد الناس دون أن يسخر منهم، يعيد المسرح إلى دوره التاريخي. يقول لي بسرعة: «لنتوقف عن التفكير بقيم الأمس الذي لن يعود، ففي أعوام مجد فرقة الكاف، كان هناك من يشتغل معنا لأجل متعة الفن، فهل تجد مثل هذا الشخص اليوم حتى بين الطلبة المغرمين بالمسرح والبحث عن المفاهيم؟ لقد تغيرت المفاهيم نفسها وأصبح من الظلم أن نحاسب الجيل الجديد من المسرحيين بقيم الأمس، يجب أن نوفر لهم الحد الأدنى من ظروف الإبداع وأولها كرامتهم لأجل العيش». عن المسرح وعن المال يظل الحديث مع الفنان المنجي الوفلي ممتعا، رغم حالة الاحباط التي يمكن فهمها لجيل فقد دون أي مبرر قيمه الفنية والتاريخية. سألته مرارا بصيغ مختلفة عن إمكانية توظيف الجيل الذهبي لفرقة الكاف في إنتاج أو في الاشراف على انتاج أعمال مسرحية جديدة. قال لي مرة لكي ينهي الحديث: «لو سألت أحد المسؤولين عن امكانية دعم فريق رياضي لوجد مائة طريقة لتمويله من أموال الدولة ومن دعم الخواص، أما لو حدثته عن فرقة مسرحية لأصبح الأمر مستعصيا، وهنا السر». كان في رأيي أن الأعمال الجدية تدافع عن نفسها ولا تحتاج إلى الدعم، يقول لي بإصرار: «تذكر أن الذين يصنعون تاريخ المجتمع هم المثقفون وليسوا نجوم الكرة». كذلك كان ينتهي حديثنا في أغلب الأحيان، حيث أتركه متحصنا بموقعه، مثلما في دوره ذي الملامح القاسية «صاحب الشرطة».