انطلاق الانتخابات المحلية في فلسطين    واشنطن تبدأ جولة مفاوضات جديدة مع إيران    مجموعة السبع 'قلقة' من التسلّح النووي لروسيا والصين    طقس اليوم: تقلبات جوية والحرارة في ارتفاع    اختتام المهرجان الرياضي المقام في إطار إحياء الذكرى 70 لعيد قوّات الأمن الدّاخلي(وزارة الداخلية)    وزيرة المالية تشرف على تخرّج دفعات جديدة من الديوانة وتؤكد دورها في حماية الاقتصاد الوطني    حوار الاسبوع .. الخبير في الموارد المائية محمد الصالح قلايد ل«الشروق» ...لا خوف من انقطاع الماء هذا الصيف.. لكن الاحتياط واجب    رغم الهدنة.. شهداء في لبنان بسبب غارات اسرائيلية    القطار ...دار الثقافة الشاذلي القطاري تحتفي بشهر التراث في دورته 35    المزونة... تدشين محطة توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية    يمكنه غزو الخلايا البشرية.. اكتشاف فيروس كورونا لدى خفافيش شرق إفريقيا    وزير الخارجية الإيراني يصل إلى إسلام آباد    طقس الليلة.. خلايا رعدية وامطار ببعض المناطق    الكاف.. الاستعداد للامتحانات الوطنية محور جلسة عمل    صادرات زيت الزيتون المعلّب ترتفع بنسبة 69 بالمائة خلال الثلاثي الأول من 2026    وزير الإقتصاد يشرف على جلسة عمل لمتابعة محفظة مشاريع التعاون مع البنك الأوروبي للإستثمار    وزير الخارجية يلتقي سفير جمهورية أذربيجان    توزر: توفع زيادة تتراوح بين 5 و6 بالمائة في عدد السياح الوافدين خلال صيف 2026 (المندوب الجهوي للسياحة)    القيروان: مؤتمر دولي بالمعهد العالي للفنون والحرف بالقيروان حول "الفن والحب في ضوء الراهن الإنساني"    وزارة الشؤون الثقافية: اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف ركيزة أساسية لترسيخ الوعي الجماعي    معرض تونس الدولي للكتاب ... برنامج ثقافي ثري يجمع الادب والفكر والفنون السبت 25 أفريل 2026    جندوبة: افتتاح شهر التراث    مدينة العلوم بتونس تنظم مساء السبت 25 أفريل سهرة فلكية مجانية تحت عنوان "اكتشاف القمر"    المصادقة على تنقيح وإتمام كراس الشروط المتعلق بالتجارب الطبية أو العلمية للأدوية المعدة للطب البشري (قرار بالرائد الرسمي)    هذا ما قرره القضاء اليوم في حق المتهمين في ملف قتل المحامية منجية المناعي    بحث صادم: إنت تتنفّس بين 28 ألف و108 ألف جزيء بلاستيك في النهار... ومن غير ما تحسّ!    السجن وخطية مالية لهذا المسؤول من اجل تبييض الأموال والاثراء غير المشروع..    علماء توانسة ينجحوا في قراءة جينات القمح ''محمودي'' و''شيلي''!    حادث مرور أليم بالقيروان يسفر عن 13 جريحًا    قرعة الدور ربع النهائى لكاس تونس اكابر لكرة اليد: كلاسيكو مرتقب بين الترجي والنجم في ربع النهائي؟    غياب مفاجئ لإدارة النادي الإفريقي عن جلسة "الفار" يثير الجدل    معرض تونس الدولي للكتاب 2026: برنامج فضاء الاطفال واليافعين ليوم السبت 25 افريل 2026    الإحتفاظ بزياد الهاني    كرة السلة: النادي الإفريقي يبحث عن انطلاقة مثالية في البال    مصر.. رجل أعمال يلقى حتفه بطريقة مروعة بعد دقائق من علاقة آثمة    وفاة المهاجم السابق للترجي الرياضي مايكل اينرامو    ملتقى الرباط الدولي لبارا ألعاب القوى: ذهبية لروعة التليلي وفضية لأيمن لكوم في اليوم الأول    وزيرة المرأة: قانون النفقة وجراية الطلاق بش يتبدّل في تونس    البنك المركزي يسحب ترخيص شركة استعلام ائتماني...علاش؟ وشنوّا يعني هذا؟    الحماية المدنية : 591 تدخلا خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية    مناظرة وزارة النقل: أدخل شوف إسمك موجود أو لا    وزير التشغيل يؤكد على ضرورة إرساء مقاربات عمل متجددة واتحخاذ قرارات جريئة في كل الملفات    ترامب يهدّد بفرض رسوم جمركية كبيرة على هذه الدولة..    نفط يرتفع وسط مخاوف من تجدد التصعيد العسكري في منطقة الشرق الأوسط    يهم التونسيين الراغبين في الدراسة بهذه الدولة..    نقابة الفلّاحين: كلغ العلوش الحيّ من عند الفلذاح ب 60 دينار    عاجل : عضو في جامعة كرة القدم يستقيل و يتراجع ...علاش ؟    طهران: سنضرب المواقع النفطية في الدول التي ينطلق منها أي عدوان علينا وردنا سيتجاوز مبدأ العين بالعين    رئيس الجمهورية: قريبًا إرساء مجلس التربية والتعليم    عاجل/ ايران ستشارك في كأس العالم لكن بهذا الشرط..!    اسألوني .. يجيب عنها الأستاذ الشيخ: أحمد الغربي    لبيك اللهم لبيك ...من معاني الحجّ    عاجل : قيس سعيد يفتتح الدورة الأربعين لمعرض تونس الدولي للكتاب    للتوانسة :لازم تعرف الحاجات اللى تفسدلك حجتك    عيد الأضحى 2026: التفاصيل الكاملة والإجازات في الدول العربية    الملتقى الأول لطب الاسنان ببن عروس يوم 9 ماي 2026    سوسة تحتضن الأيام الأورو-إفريقية ال23 لطب القلب العملية في جويلية القادم    شوف السّر وراء تغيير كسوة الكعبة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



القنديل الثاني: لقاء مع سليم دولة وحديث الفلسفة: كلما ازددنا معرفة ازددنا غربة
نشر في الشروق يوم 15 - 12 - 2009

وكفراشة تجذبها الأضواء أعود لحوار مع سليم دولة صعب أن ينتهي . فقد انطلق الحوار منذ أكثر من عشرين سنة . وما زلت في دهشة. كلما سألت سؤالاً. يعطيني جواباً محملاً بأربعة أسئلة. تعلمت منه أشياء وعلمني أشياء أخرى . تعلمت منه محاولات فك لغة العرب،وعلمني كشف جمالية النص المقروء. لكنني ازددت شقاء وحملاً في سعيي وراء تراكم المعرفة . ففي لغته لم أجد السلاسة، بل الرغبة في كسر القواعد، والولوج إلى المحرمات، إلى مناطق لم أحلم بزيارتها، إلى حكايات فاتت على جدتي فلم تروها لي في طفولتي المبكرة.
لماذا اخترت دراسة الفلسفة ؟
من شعوري بالظلم واليتم رغم وجاهة وثقل العائلة.
ما الرابطة؟
البحث عن معنى الحياة،معنى أن يكون لأخوتك لأبيك أم, وأنت لا أم لك، أمي هي ثالث نساء أبي، وأول طليقة له بطلب منها، أحد اخوتي يكبر أمي ست سنوات، استتباعات ذلك أني كرهت شيئاً اسمه العائلة، وقد أعانني التوغل في البحث عن المعنى وهنا المفارقة ضريران، المعري ولم أكن أعرفه، حين سقطت كرة قرب مقام سيدي المقدم واكتشفت لفافة من الأوراق المصفرة في المقبرة عليها بعض النفايات البشرية، وضعتها قرب العارضة أين نلعب كرة القدم، ذهبت على البيت وفي غرفة والدتي راجعت تلك الأوراق الصفراء التي لم أكن أعرف أنها للمعري وصادف أنني وجدت هذين البيتين:
سألت عن الحقائق كل يوم فما ألغيت إلا حرف جحدي
غير أني أزول بغير شك ففي أي بلاد يكون لحدي
هل تتصورين أن هذا الكتاب في السحر لتداول الكتب الصفراء في قفصة وفي حوشنا الكبير تحديداً، مع كتاب «الإيضاح في علم النكاح» هو الذي يمكن أنه سرب إلى كتاباتي بعده الجريء، إذ حوكمت ذات مرة على عنوان مقال مستوحى من كتاب «الإفصاح في علم النكاح أو المعمول به والمسكوت عنه» . يا للذاكرة، يا للذاكرة النصية، كيف تؤثر قراءات طفولية في الكهولة، وتناديك حتى أحرفها وأنت في الشيخوخة، لقد نبهني سؤالك الآن وبكل صدق لماذا كتاب الشعر الذي أنا بصدد كتابته عنوانه «حين كنت حياً مررت قرب حياتي».
أما التأثير الثاني فهو طه حسين الذي قادني إليه كتيب طلب مني أستاذ العربية أن ألخصه، وهو كتاب «قادة الفكر» قمت بتلخيصه تحت زيتونة في باب السور بقفصة، غير أن أستاذي أصر أن لا أقرأ ما كتبت، وأن أقدم الكتاب مشافهة ليتأكد أنني أنا الذي أعد التلخيص،ولا أعرف بأي جرأة قدمت الكتاب شفهياً وعدد الفلاسفة الذين ذكرهم طه حسين، وأذكر أنه قال أهم ما بقي في ذهنك من الكتاب. قلت « من أين ؟ وإلى أين ؟
يلومونك عنفك مع المرأة ؟
- أنا ثمرة ضغينة،أعيش نظرية فرويد عكسية،فكل امرأة يشبه تصرفها صورة أمي أرفضها،لكن من له علاقة مع الكتابة هو ابليسي «إن آمنت اسمي سقط عني اسمي».
والحب في حياتك إذن ؟
حين أطلق العرب أكثر من إسم على الشيء الواحد،فالأمر يتعلق بشيء جلل وجليل، العشق حالة من حالات الموت، اكتشفت أيام الجامعة «والعشق يعلم» في كتاب ستندال «فن الهوى» يخص العرب بفصل موسوم «بالحب البدوي» وخجلت لإطلاعه التام بتقاليد العرب إذ يورد هذه الحكاية: «أية حرية نتحدث عنها نحن أهل الغرب الذين نصفهم بالبرابرة؟ نحن أم هؤلاء الذين سعونا لغزوهم؟ حيث المرأة لا ترغم على الزواج، يصطنع أهلها الذهاب للحطابة، وإذا وجدوا حين عودتهم أوتار الخيمة على حالها، يدركون أن البنت قبلت الزواج،وإذا ما غيرت ولو وتداً واحداً، يدركون أنها رافضة للزيجة،ولن تعاود في الأمر. أخجلني هذا النص فقد أتى ستندال بشهادة لا يرغب قارئ مثلي يزعم أنه يحب في حين أنه يريد أن يتملك.
تمضي كتاباتك «الكاتب الحر» وناديت ببعث رابطة الكتاب الأحرار «أليس الإنتماء نوع من الإنطواء يحد من الحرية الشخصية»؟
يقول روسو في كتابه الشائق « هواجس المتنزه المنفرد بنفسه «( أنا لا أقول أن الحر هو من يريد أن يفعل كل ما يريد، لكني أقول أن الحر لا يفعل ما لا يريد) هذه العبارة تلخص رغبتي الشخصية في تكوين ما اقترحت تسميته حينها في مقال منشور تكوين «منتظم للكتاب الأحرار» إذ لا تعجبني كلمة الرابطة،والهدف الرئيس من تكوين هذا المنتظم فيما يخيل لي،إنما هو المطالبة باحترام الرأسمالي الرمزي. من ذلك توزيع النصوص الإبداعية في كافة المجالات، في العدل بين الكتاب التونسيين،سواء في الجامعات أو الثانويات أو الإبتدائي. دون محاباة لكتاب وكاتبات ومكتوب لهم ولهن. لا يتوفر الحد الأدنى من الانتماء إلى الحقل الأدبي سوى انتمائهم الايديولوجي والسياسي. إذ لا يعقل في بلد يتدرب على الديمقراطية بمعناها العام،لا يتدرب على ما يمكن تسميته «الديمقراطية البيداغوجية» اقتصاداً في تبذير الذكاء الوطني، إذ الذي يجمع بيننا ما كنت أطلقت عليه «عقد التراب» احساس بالظلم ليس فيما يخصني فقط، وإنما فيما يخص الكثير من الكتاب إزاء هذا التقصير المتعمد، إذ ما معنى «وضع الشيء في غير موضعه» ألم يؤكد ابن خلدون على أن الظلم مؤذن بخراب العمران؟ أشعر بحزن شديد عندما تدرس نصوصي مشرقاً ومغرباً، بينما يتم تجاهلي مطلق التجاهل في بلادي، كأنني رقماً خاسراً في معادلة وهمية. وهذه الحال تمتد على خارطة الوطن العربي من المحيط إلى النزيف،وأجدني مضطراً لتدريس كتب أشباه فلاسفة ومسودات مفكرين مبرمجين،الأمر لا يتعلق بمجال الأدب وإنما في جميع مجالات التداول الرمزي،أما من جهة المطلب المادي كانت الغاية من بعث المنتظم. الدفاع عن كرامة الكتاب بقطع النظر عن انتماءاتهم لأحزاب، أو دكاكين ايديولوجية، فانا لا أقبل لأي كاتب تونسي مهما كان اختلافي معه أن يزاول حياته ويكابد الخصاصة والفقر والشعور بالظلم. يظل الكتاب وخلال التاريخ الرأس مال الرمزي الذي لا ينضب، وزمن الأزمات والليالي السود مفتقد البدر، إن ثقافتنا ثقافة في معظمها جنائزية، والسلط في الخارطة لا تمد يدها إلى الكتاب إلا لتعينهم على الشوط الأخير في المقابر، ما معنى أن تكون كاتباً حراً في نهاية التحليل: ألا تزايد على العباد في حب البلاد، وأن لا تبيع قلمك لأي كائن من كان وكائن من يكون، وأن لا تجعل من قلمك فزاعة وعينك على جيبك، وأن لا تقول نعم حيث يجب أن تقول لا، وبقليل من المرح بإمكاني نعت من ليس حراً،كل خائن لقلمه. وهنا تحضرني حكاية مع محمود درويش، كنت أمسك قلماً جميلاً أعجبه، أردت أن أهديه إياه، أمسكه وتأمله ثم قال وهو يعيد القلم : «لا تتنازل عن قلمك لأحد».
حسب دريدا : أن تكتب كتاباً هو أن تتدخل في السياسة، هل هذا صحيح وأنت كتبت العديد من الكتب؟
- دريدا على حق،ذلك أن السياسة تعني ضمن ما تعنيه فن تسيير الشأن العام والشأن العمومي، والبحث عن ممكن ضمن متوالية من الممكنات،لذلك ليس في السياسة أعداء دائمين ولا أصدقاء دائمين مثل قول الجنرال ديغول، وإنما يحكم الأداء السياسي المصالح، إما مصالح الوطن الكبير أو مصالح فئة اجتماعية محددة، أو مصالح منتظم مهني، أو مصالح أفراد،أن تكتب كتاباً يعني أنك مررت من نظام الشفاهية إلى نظام الكتابية والتدوين، بهذا المعنى يعتبر الكتاب باعتباره وسيلة أولية مهما كان نوعه. له وظيفته الإجرائية، وهو ما يفسر الرقابة على الكتب والمطبوعات، وليس صدفة أن تكون الكتب الأكثر سطحية وسذاجة هي الأكثر تداولاً، تماماً كما الكتب الممنوعة والتي تتحدث عن ذلك الثالوث المقدس أو المدنس، وليس صدفة أيضاً أن تكون الأنظمة الانضباطية تخلق كماً من الشعراء، وإذا كان شاعراً واحداً يربك نظام القيم الجمالية السائدة،فهي تغيب صوته من نشيدها الأوركسترالي، كما بالنسبة للفلاسفة والمؤرخين أو المسرحيين،وللأنظمة الانضباطية تقنياتها المرنة في استبعاد الأصوات التي من شأنها أن تربك السائد الثقافي، وقد كتب بارت: «إن الفاشية لا تمنعك من الكلام،بل ترغمك عليه» تبقى علاقة الكاتب بالسلطة دائماً لغزاً يكتنفها الكثير من الاستراتيجيات والاستراتيجيات المضادة، قال سيلين ذات مرة: «سأقاتل من أجل عالم لا تحذف لي فاصلة واحدة «وهو ما أتمرن عليه. نعم كل كتاب إنما هو تدخل حقيقي وعلى طريقته طبعاً تدخل في الشأن السياسي. ورفعة الأذواق أو انحطاطها من رفعة وانحطاط من مسكون بالشأن العام والأمر العمومي. ومثل ما تكونون يكون حبركم . يعجبني الكتاب الذين يستعينون من الأيائل قرونهم إزاء الجدار.
هل هناك لغة فلسفية واحدة وهل هناك نظام فلسفي عربي؟
إذا كان المقصود بالفلسفة ممارسة نقدية نظرية للعالم وذلك بإنتاج نسق تنظيمي متكامل المعالم. فإن الزمن الذي نعيش لا يبدو لي أنه ثمة فلسفة في العالم أصلاً، إذ انتهت لإعتبارات متعددة الأنساق الفلسفية الكبرى كالتي عرفتها الفلسفة اليونانية ممثلة في أفلاطون أو أرسطو في القديم . أو كانط وهيغل وسبينوزا. ويمكن التنصيص على بداية انفجار المعمار الفلسفي بالمعنى النسقي مع نيتشة الذي يدعو إلى الفلسفة بضربات المطرقة. كما مع سورين كيركجاد، وأخيراً مع سارتر. ذلك أن السرديات الفلسفية الكبرى قد ورثها حقولا معرفية متنوعة ومتنافرة وموزعة من حيث مراكز الاهتمام على أكثر من جبهة،بفعل الإفراط في الاختصاص من جهة، وما يسمى صعوبة المعجم الفلسفي على تنوعه من جهة أخرى. لم يعد بالإمكان أن نمارس الفلسفة على طريقة الفارابي أو ابن رشد أو ابن سينا. رغم محاولة استعادة هذه المشاريع بصياغات متعددة لدى كل من حسين مروة. والطيب التيزيني. وحسن حنفي. وعلي زيغوب. بموسوعته المتعلقة بالأناسة. وأدونيس «بالثابت والمتحول» في وسائل عمله . بما في ذلك الشعر. ومحمد عابد الجابري مغرباً بمشروعه النقدي. وطه عبد الرحمن بمحاولة تفصيله» الممارسة الفلسفية «انطلاقاً من أرضية العربية. سعياً منه إلى تبيئة الفلسفة. كما لدى كل من فتحي التريكي «بمشروع الفلسفة الشريدة» وبيان فلسفة التنوع والإقامة سوياً في العالم. يعني الوجود والتواجد بالمعية إلى غير ذلك ما يضطلع به الفلاسفة الشبان في تونس،والذي أرى أبرزهم « فتحي المسكيني «الذي أعتبره أبرز الفلاسفة الشبان الجسورين والكادحين للتفلسف بكل جرأة في فضاء أرجو أن يكون قادراً على استيعاب خطابه وألا نكتشفه بعد فوات الأوان كعادتنا. كما لا ننسى مشروع أبو يعرب المرزوقي فيما يتعلق «بإصلاح العقل « وإن كنت أختلف معه في رؤيته ومشروعه. إلا أنني لا أستطيع إلا أن أقدر المجهود الذهني الخارق الذي يبذله، الفلسفة تظل دائماً أرض الاختلاف، والاختلاف الخصيب أنها تقنية ومران للإصغاء الجديد والمستحدث. ووعي بالكوارث . الفلسفات الكبرى هي سليلة أزمات. لقد كان الفلاسفة الكبار دائماً في علاقة سوء تفاهم على درجة من الوعي بنسب متفاوتة بينهم وبين عصورهم . ولا أقصد بالأزمة الدلالة الكوارثية. فالإفراط في التقدم يقود إلى أزمة . كما الإفراط في التكلس يقود إلى أزمة. يعني ذلك أنه يمكن للأزمة فلسفياً أن تكون علامة صحية. ولم يعد المشكل في الأزمة الحضارية أو الاجتماعية أو السياسية أو العاطفية. وإنما يتمثل المشكل في حذق وفن إدارة الأزمات. وهنا تكمن أهمية الوعي الفلسفي بالأخطاء. ذلك أنه توجد أخطاء قاتلة. وأخطاء شافية علامة صحة المعافية حضارياً. لذلك أكد ادغار موران: «أن الخطأ يكمن في عدم تقدير الخطإ» فالذي تتكرر أخطاؤه يعني أنه ينوع من أخطائه. ويعني ذلك أنه ينوع في محاولاته.
من أثر فيك في الجامعة خلال الدراسة؟
فتحي التريكي الذي كان له فضل تنبيهي إلى أعمال ميشيل فوكو. إذ لولاه ودون الالتزام بأطروحات فوكو. لما كان لأعمال فوكو هذا التأثير على مسيرتي الفكرية.
علي الشنوفي الفيلسوف في سخريته الناعمة من الجدية الأكاديمية المتكلسة . وطاقته على تتفيه ما يمكن تتفيهه. إذ الفلسفة عنده متعة عيش ومران وجود. وهذا ليس شيئاً قليلاً .
استفدت من الراحل الحبيب الفقيه وصراعه السني مع أهل الباطنة. وإن كانت أطروحته حول الشيعة الإثنى عشرية. كان يمدحني ولا أعرف كيف تسنى له أن يصفني دائماً بمكتبة مفتوحة ويأسف أنني ملحد لإعتقاده .
وأنا مدين بالإعتناء بجمالية اللغة لأستاذي الكبير حمادي بن جاب الله .
كما أنني مدين للفيلسوف الراحل عبد المجيد الغنوشي بدفاعه وانفعاله عما يراه الحقيقة, وأذكر ذات ليلة نمت أمام المسرح البلدي .لأنه لم يكن لدي بيت. غفوت بقاعة الدرس وصحوت على صراخ أستاذي يصفنا بأننا أغبياء. فقلت له من فضلك ما هو السؤال المطروح. فقال: أعيد لك السؤال ياسي. وكان السؤال: من هو صاحب الطبيعة الطابعة والطبيعة المطبوعة. أجبته: سبينوزا. وعدت للنوم. وإذا به يلكزني ويهمزني بعنف ويقول لي: أنت على استعداد لتكون فيلسوفاً . لا تنسى ذلك .
كذلك السيدة فاطمة حداد التي لولاها لتم فصلي من الجامعة نهائيا. إذ أتهمت بالوقاحة إزاء العميد. فقالت: من العار أن نفصل من الجامعة فأر كتب. وأنا مدين لها إلى الأبد. وأحبها لصرامتها المنهجية.
- كما أنني مدين لأستاذتي لا فوكريير في دفاعها المستميت عن هيدغر وتناولها الفلسفي لمعضلة الموت.
وأستاذ المنطق فيردونال لحسن لعبه بالمفاهيم .
ولا أنسى فضل المفكر الكبير ومتجول أروقة المعرفة بسلاسة غريبة عبد الوهاب بوحديبة .
كذلك الراحل محجوب بن ميلاد الذي كشف لي مسألة الإشتقاق. سواء بالفرنسية أو بالعربية. وكذلك في فلسفة المعتزلة. قابلته آخر مرة أمام مكتبة المعرفة، لم يعرفني، قدمت له نفسي. فقال لي حرفياً: يا ولدي لقد أتعبتك العامة والعوام. والطريف أنه شبه الفلسفة بالمكنسة لتنظيف شوارع العقول.
أما من أساء إلي فلا أذكره اقتصاداً في النكد.
سليم، لو التقيت بسليم دولة في هذا الهزيع من العمر ماذا ستقول له؟
سأقول له : أشفق على دولة بنت أحمد الزواري التي أنجبته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.