هكذا هي «المفاوضات» بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية: تمويه إسرائيلي، وضعف فلسطيني... وارسال لإشارات خاطئة حول مفهوم السلام. على هذا الأساس يكون الفهم الحقيقي لما يسمى المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية بوساطة أمريكية. فقد نسبت إحدى الصحف الاسرائيلية الى مصادر ضالعة في الموضوع بأن «المفاوضات غير المباشرة، ستبدأ بعد أسبوعين» بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ما يلفت الانتباه في هذا الملف، هو أنه وبعد أعوام وأشواط من اللقاءات المباشرة الثنائية بين الطرفين، يعود الطرفان الى التفاوض عبر نفس الوسيط، الذي انطلق في الأول بنفس هذا الدور ابتداء من 1988. الوسيط الأمريكي يعود ثانية، لتقمص نفس الدور، دور الوساطة في مفاوضات غير مباشرة. لماذا؟ لأن «اسرائيل» لم تكن تفاوض الفلسطينيين.. إسرائيل دخلت مسار «مدريد»و«أوسلو» من بعده لا كمفاوض على قرارات الأممالمتحدة ذات الصلة، وليس لاقتسام فلسطين الى دولتين، بل لمزيد ربح الوقت من جهة، والسطو على كل فلسطين ودفن ملف اللاجئين من جهة أخرى.. الى نقطة الصفر، تعود المفاوضات بين الطرفين لأن الجولات السابقة و«الاتفاقات» والتفاهمات التي وقع التوصل إليها انما كانت فرضا على الفلسطينيين وسكينا بيد الإسرائيليين.. طوال المفاوضات المباشرة وغير المباشرة، التي سعى العرب مهرولين الى مباركتها لم يدر في خلد إسرائيلي واحد من يمينهم إلى يسارهم ان هناك حلاّ إسمه: حل الدولتين... هذا لأن «إسرائيل» هذه التي يعتبرها المجتمع الدولي، بل وفرضها عضو بالمنتظم الأممي لا تكتسب مقولة واحدة فيها دلالة على أنها تتبنى ثقافة سلام.. المتفحص في أدبيات التعليم في هذا الكيان، يقف دون عناء على أن كلمة «سلام» واحدة بمفهوم الحل والسلام، لا توجد في أي منهج من مناهج التعليم. وقس على ذلك في مجالات الإعلام والاقتصاد والسياسة.. والاجتماعيات.. إسرائيل لم تكن تفاوض الفلسطينيين، ولا العرب، التفاوض يعني عقلية الاقتسام والحوار، يحيلنا على فكرة الجدل: «خذ وهات».. «إسرائيل» صوّرها الغرب وبعض العرب من بعدهم، أنها بحاجة الى سلام يأتيها على أيدي العرب... في حين ان هذا وهم، صدّقه العرب قبل الغربيين.. إسرائيل تتعامل مع المشهد الدولي والاقليمي ردهة بردهة... وكل الردهات والمحطات هي في الحقيقة خليط من الوهم والايهام، بحيث عندما نحصي ما تمّ، نجد ان «إسرائيل» وعبر كل جولات «المفاوضات» مع العرب والفلسطينيين جعلتهم يخرجون من الجولات ومن اللقاءات... بيد فارغة وأخرى لاشيء فيها.. المفاوضات غير المباشرة بعد أسبوعين، هكذا بدت عناوين الصحافة، في إشارة الى ما ورد ذكره في المطلع.. لكن هل تساءل طرف من الأطراف المتضررة من عملية «المفاوضات» المشار إليها هل ان الذي يحدث بين إسرائيل والفلسطينيين كان تفاوضا أم فرض أمر واقع؟ أبدا. فأحد لم يتساءل، بمثل هذا السؤال. لأن الحيلة انطلت على الجميع من العرب والفلسطينيين الذين مازالوا يعتقدون في أن ما جرى في «أوسلو»و«مدريد»و«جنيف» هي مفاوضات وليس استيلاء جديدا على الحقوق الوطنية الفلسطينية..