هي ليست بلدا أوروبيا مزدهرا فقط وليست وجهة سياحية تعج بالشواطئ الخلابة فحسب.. وليست مهد كرة قدم اشتعلت فيها الملاعب بمباريات شيقة لريال مدريد ببرشلونة...هي ليست كذلك فقط ،فعلى على هذه الأرض وقبل قرون، أسس الزهراوي علوم الجراحة والطب الحديث ، واستبق ابن حزم زمانه ليؤكد كروية الأرض مستندًا إلى قوله تعالى: «وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا». هذه الصورة «المشرقة المبهرة» تتدعم اليوم برفض إسبانيا اعتماد قواعدها العسكرية منصة لضرب إيران وأرضها نقطة انطلاق لحرب جديدة في الشرق الأوسط ، وبهذا الرفص تحولت إسبانيا من مجرد بلد السياحة والإستجمام في خريطة أوروبا الممتدة إلى موقف سياسي يفتح باب الأسئلة: هل تحرك شيء في جينات التاريخ الأندلسي؟ وهل اهتزت في ذاكرة أرضها طبقات حضارية قديمة كانت في يوم من الايام جسرا بين الشرق والغرب؟ ففي موقف لم يكن منتظرا لا من امريكا ولا غيرها من حلفائها ، رفضت مدريد أن تكون منصّة لضرب ايران ، مؤكدة أن الحكمة والسياسة العقلانية افضل من القوة و» البلطجة « والمزايدات السياسية التي يروج لها ترامب اليوم ..ففي زمن تتسابق فيه بعض العواصم نحو الاصطفاف العسكري، جاء الموقف الإسباني مختلفا ليس فقط لأنه يرفض توسيع دائرة النار، بل لأنه يذكّر العالم بأن القرارات الظالمة لن تجد لها ايقاعا مصاحبا بأرض « الفلامنكو» وفي حلاوة ليالي اشبيليا وصوت القيتارة والوتر ! ثمانية قرون حاول الغرب محوها وتمزيق صفحاتها من تاريخ الاسلام ،اتضح انها لم تكن مجرد فصل عابر في هذه الدولة الاوروبية ، بل حضارة صنعت جسور المعرفة بين الشرق والغرب.. فمن « قرطبة « بزغ نجم ابن رشد الذي عبرت أفكاره إلى أوروبا وأيقظت فيها نقاشا فلسفيا استمر قرونًا.. وفي «غرناطة» كتب أبو إسحاق الشاطبي نظريته في مقاصد الشريعة، بينما بقيت كتب الزهراوي على امتداد قرون مرجعا للطب الأوروبي وشاهدة على امتداد العلم من الأندلس إلى أوروبا. لهذا، قد لا يبدو المشهد اليوم مثيرا للانتباه، أن تقف دولة أوروبية ذات جذور إسلامية لتقول بصراحة إن الحرب «كره لكم»، وإن الحكمة تفوق صوت المدافع وتتجاوز سرعة الصواريخ فرط الصوتية. ويطرح هذا الرفض سؤالًا يتجاوز السياسة إلى التاريخ: هل استيقظت أفكار ابن رشد الفلسفية؟ وهل نهض ابن حزم من تحت «أرضه الكروية « ليذكّرنا بأن العقل والاعتدال يتقدمان على العنف؟ وهل استفاقت في عمق إسبانيا «جينات» الأندلس الوراثية بعد ثمانية قرون من الوجود؟ الغريب أن هذا الصوت المتعقل الرافض للحرب يأتي من قلب أوروبا ، بينما تبدو عواصم عربية غارقة إما في دعم امريكا أو في صمت ثقيل وحياد بارد وكأن المنطقة التي يفترض أن تكون الأكثر خوفا من الحروب أصبحت الأكثر تعايشًا مع احتمال اشتعالها وغلق مضائقها وممراتها المائية. قد لا تكون إسبانيا اليوم وريثة سياسية الأندلس، لكن التاريخ لا يموت بسهولة ،فقد يبقى أحيانا كامنا في الذاكرة المنسية وملح التربة «وحجر بنبجس منه « قرار سياسي يقول إن إشعال الحروب ليس قدر المسلمين.. فهل ستستمع عواصمنا العربية لهذا الصوت القادم من اعماق التاريخ ام ان القطار فاتها بعد ان بات ترامب يتحدث عن نهاية هذه الحرب التي نجحت في مزيد تمزيق «المسلمين»؟. راشد شعور