بقلم: عبد الرحمان مجيد الربيعي أتساءل كثيرا: لماذا يحصل كل هذا للعراق؟ ولماذا تحول العراقيون الى حطب في محرقة الرعب؟ لماذا العراق؟ ولماذا العراقيون؟ أتأمل هذه الأسئلة محاولا العثور على جواب مقنع لها لكنني لن أجده أبدا. هل من المعقول أن يدفع البلد الكريم ضرائب الدم والخسائر الى ما لا نهاية؟ إذا كان العراق بكل ما فيه من ثراء وعلى أكثر من مستوى الزراعة ولديه أكرم الشجر النخيل والثروة المائية وفيه دجلة والفرات وشط العرب وأنهر أخرى مثل الزاب الصغير والزاب الكبير وبحيرتا الحبانية والثرثار، وذات يوم قال الشاعر: «شربنا ماء دجلة خير ماء وزرنا أطيب الشجر النخيلا» ويوم جاء علي ابن الجهم من البادية جلفا فجا ووقف في حضرة الخليفة امتدحه بأدواته التي يعرفها فخاطبه: «أنت كالكلب في حفاظك العهد وكالتيس في قراع الخطوب» فأرادوا قطع رأسه، لكن الخليفة الذكي أوقفهم وطلب أن يتركوه يعيش الرغد البغدادي ويرى الجمال والنساء الباهرات وينصت للموسيقى وشدو الجواري حتى جاء يوم قال فيه قصيدته التي خلدت وصار مطلعها على الألسن وهو يقول: «عيون المها بين الرصافة والجسر جلبن الهوا من حيث أدري ولا أدري» فصدق حدس الخليفة. بغداد التي جمعتنا نحن أبناء المدن والقرى البعيدة من الشمال والجنوب والوسط والشرق والغرب ونحن فتية وفتيات بسطاء، جئناها لندرس ونتخرج ونتوظف فأخرجت منا كل خبايانا الجميلة فظهر منا أدباء كبار وموسيقيون رائعون وممثلون انحنت لهم خشبة المسرح إكبارا، هذا عدا الأطباء ورجال العلم والهندسة. كان مصهر بغداد هو الذي يخرج من المرء أجمل ما فيه، وألذّ ما عنده. كانت بغداد رمزا وعاصمة وغاية، كما كانت حلما، وما أن تنطق باسمها وأنت في رحلة الى احدى بلدان الغرب إلا وانشرحت ملامح من أنصت لك وصار يسألك عن ليالي ألف ليلة وليلة ورحلات السندباد وشهرزاد وشهريار والبساط الطائر. وكانت بغداد عاصمة التسامح والتفتح وفي بلاط خلفائها تجمع العلماء من كل الأصقاع وكانت أول عاصمة في الدنيا ضمّت بيتا للحكمة، ونشطت حركة الترجمة ونقلت آداب وعلوم الأمم الى اللغة العربية. حتى في الموسيقى كانت الاضافات أساسية على أيدي زرياب وإسحاق الموصلي وغيرهما. بغداد البهيّة، موجوعة، تئنّ، جسدها منتهك، تكالب عليها الأعداء وحوّلوها الى وليمة تنهشها أنياب الضباع وخناجر عتاة اللصوص، وحوّلوها الى غنيمة للقطاء وشذاذ الآفاق. بغداد تبتعد عنا نحن الذين أحببناها، هكذا نحسّ لأن من دخلوها يريدون مسخها وتحويلها الى كيان هجين حيث لا يبقى من الذي كان إلا الاسم، وربما حتى الاسم يعملون على تغييره. كنا نحن الذين غادرناها كل واحد بأسبابه نعيش حلم أن نراها، أن نزورها، أن نحسّها قريبة حتى إذا أصبحت لنا حياتنا بعيدا عنها، إيمانا منا بمثل أمهاتنا أن البعد هو بعد القلوب وليس بعد المسافات، ومادامت بغداد القلب فهي تنبض في صدورنا وتنظم دورة الدم في عروقنا. أخ يا بغداد لماذا يحصل لك كل هذا؟ كيف تدفع القمم الضريبة للجرذان التي تنخر سفحها؟ كيف؟ ذات مرة وفي لجّة المحنة اللبنانية غنّت الرائعة فيروز: (ارجعي يا بيروت ترجع الأيام). ورجعت بيروت لعشاقها وأحبائها وعقلائها ومجانينها، ولكنها تركت كلمات الأغنية لمفتوني بغداد ليردّدوا: «ارجعي يا بغداد ترجع الأيام». بغداد، نحن لا ننتظرك فقط، بل نحن نسعى إليك بكل ما فينا من همّة.