«العوج» مرض مزمن يشكو منه بعض التونسيين، علاماته تلحظها فيما يأتونه من تصرفات غريبة عجيبة خارقة للمألوف. «العوج» «ثقافة» تنتشر اينما حللت في الشارع، في عربات النقل، في الاحياء لتحكم عليك حصارا متين النطاق، فما رأي التونسي في هذه الظاهرة؟ صحيح ان هذه الظاهرة لا يختص بها المجتمع التونسي فحسب لكننا يجب ان نعترف انها متأصلة فينا ويبدو ان البعض قد رضع «العوج» في حليب أمه كما يقال. سمير سائق لدى شركة خاصة ابدى انزعاجه من مثل هذه السلوكات يقول: «التونسي يتحفك من حين الى آخر ببعض التصرفات الغريبة ففي احد الايام السابقة في الساعة الثالثة بعد الظهر كنت أقود السيارة وسط طريق فارغة لكن احدهم كان يتمتع على ما يبدو بالمشي وسط الطريق رغم وجود الرصيف ولم أجد من وسيلة لتنبيهه سوى استعمال المنبه الصوتي لكنه سرعان ما التفت وبدأ يصرخ قائلا «لماذا تزعجني بمنبهك ما تعرفش عندي السكر؟؟» ولم أملك الا ان أتعجب لردّة فعل هذا المترجل الذي أخطأ وحاول تحميلي مسؤولية خطئه. ويستجمع أحد أصحاب المقاهي أفكاره ليحكي بطريقة فيها مقدار كبير من السخرية من هذه الظاهرة «بالأمس دخلت متسولة للمقهى وكان أحد الحرفاء برفقة زوجته وعندما قصدته المتسولة اعطاها دينارا كاملا ولكن المتسولة أمدّت يدها للزوجة أيضا التي مكنتها من مائتي مليم عندها غضبت المتسولة وصاحت في وجه الزوجة معبرة عن عدم رضاها عن هذا المبلغ الذي اعطته اياها، تعجب الحريف هو وزوجته من مثل هذا التصرف وتعجبت أنا معهم ولم أملك الا ان أطلب من الله الهداية لهذه المتسولة». وتحدث أنور وكان الضجيج من حوله على أشده وسط خليط من الدراجين والواقفين على أحد أرصفة العاصمة كاشفا امتعاضه يقول: «في الحقيقة أتيت من الجنوب التونسي وغالبا ما كانت مخيلتي تنشط لتفرض علي صورا عن جمال ورقي بعض الاحياء مثل المنازه والمنار... لكن للاسف الواقع غير ذلك ف»العوج» تلحظه في سلوكات وتصرفات بعض المتجولين وحتى بعض المتساكنين الذين يعمدون الى رمي الفضلات في الطريق انه من المفترض ان تكون مثل هذه الاحياء أنموذجا في التحضر وفي السلوك السليم، تعطي صورة جميلة لكل القاصدين اليها». السيدة أ وهي احدى متساكنات أريانة بدت ممتعضة ايضا وهي تتحدث عن بعض مظاهر «العوج» تقول: «منذ أن أقوم صباحا للتوجه للعمل بالسيارة تلحظ العوج في السواق فبعضهم يوقف سيارته وسط الطريق لقضاء شأن يخصه مما يدفع باقي السواق الى انتظاره وهو ما يعطل مصالحهم، البعض الآخر تجده يحكي بهاتفه الجوال والآخر لا يعترف بأية اشارة مرورية... وقد تجد نفسك مجبرا على معايشة هذا السلوك المريض يوميا ذهابا وايابا وحتى عندما ترجع للبيت فلا تنعم بالراحة لان أكوام الفضلات الملقاه هنا وهناك أمام باب العمارة (رغم انه توجد حاوية) اضافة الى ضجيج بعض متسكعي الليل الذي ينغص معيشتك. **سيارات أم ملاه؟! وتؤكد وفاء أنها تحتار لتصرفات بعض الشبان اذ يعمد بعضهم الى الترفيع في اصواتهم والتلفظ بعبارات تخدش الحياء، الى هذا البعض الآخر يحوّل سيارته الى ما يشبه الملهى فتنبعث منها موسيقى صاخبة تزعج المارة والمتجولين، وقد تجدالسيارة فوق الرصيف ويتحول المترجل للمشي وسط الطريق. أما أمينة وهي طالبة باحدى المؤسسات الجامعية فانها تلحظ «العوج» اينما حلت تقول: «في وسائل النقل بعض الركاب لا يحلو لهم الا البقاء امام باب عربة المترو أو الحافلة بحيث يعطلون حركة الصعود والنزول، داخل المؤسسة الجامعية قد يحلو للمشرفين على اعداد الفروض والامتحانات تأجيل موعد الامتحانات دون اعلام مسبق داخل الحي قد يحلو للبعض التعدي على الممتلكات التي هي في الاصل ملك جماعي، وتأكد انها تخصه هو وحده». وتعتبر حياة وهي تلميذة بالسنة السابعة ان «ثقافة العوج» يروج لها سلوك الآباء والامهات داخل الاسرة فهما غالبا ما يحاولان فرض اشياء غير منطقية كأن يتدخلا مثلا في تحديد الاختصاص الذي سيدرسه في الجامعة ويفرضها عليه اتباع شعبة قد لا تتماشى وقدراته العلمية. ولئن لم يخف المستجوبون غيظهم من مثل هذه التصرفات معتبرين اياها غريبة فان نجيب (صاحب محل تجاري) قال: «صحيح انها تصرفات تقلقنا وتعطلنا نحن كتجار خاصة فقد يأتيك حريف ويأخذ من وقتك الكثير من أجل هذا المنتوج او ذاك وفي النهاية لا يشتري شيئا»! البعض الآخر من التونسيين من في نفسه مرض يمدّك بملاحظات ونصائح قد تبدو في غير محلها... على كل كله سلوك غير سليم لكنني اتقبله بدون اية انفعال واضعا في اعتباري ان الناس درجات وأنهم لا يمكن ان يكونوا كلهم على نفس مستوى رفعة الاخلاق وتلك هي طبيعة اي مجتمع». ما هو ثابت ان هذه السلوكات غير سليمة تعبر عن انانية مفرطة وعدم احترام للآخر.