قبل غزو العراق واحتلاله كشفت الادارة الامريكية مخططها الطويل والعريض للمنطقة العربية... حيث اكدت انها سوف تتخذ من العراق نقطة انطلاق ل «اعادة تشكيل» المنطقة بما يخدم المصالح الامريكية (وبالطبع مصالح حليفتها اسرائيل)... وإذا نظرنا ا لى تداعيات الملف السوداني والى المنعرج الذي اتخذته الاحداث بصدور قرار أممي يمهل الحكومة السودانية مدة شهر لتسوية معضلة اقليم «دارفور» من منظار الترتيبات الاستراتيجية التي يتم تنفيذها في اطار نظرية «إعادة التشكيل»، فإنه يمكننا تلمّس معالم السيناريو الامريكي في التعاطي مع الملف السوداني... وفي هذا الباب يمكن الجزم بدءا بأن المزاعم المروجة حول «إبادة جماعية» تتهم بها الحكومة السودانية هي من قبيل «حيازة أسلحة دمار شامل» التي اتهم بها العراق... وهي بالمناسبة تهم قابلة للترويج دوليا، وقادرة على الحشد والتحفيز ضد المتهم... وهي فوق هذا تهم هلامية مطّاطة... يمكن الحديث عنها دون حاجة لرؤيتها او تأكيد وجودها... كما يمكن القسم باستمرار وجودها مهما فعل المتهم بها ومهما أبدى من تعاون وحسن نية... ونحن نذكر في الحالة العراقية كيف ان دخول مفتشي (أو جواسيس) الفرق الاممية غرف نوم الرئيس صدام حسين لم تشفع له ولا للعراق تماما كما لم يشفع عدم العثور على اي سلاح محظور طيلة عشر سنوات كاملة جابت خلالها فرق التفتيش العراق بالطول والعرض... وتأسيسا على هذا السيناريو فإن السودان يبدو وقد وضع في طريق تؤدي إما الي مصادرة السيادة أو العدوان سعيا إلى تمرير مقتضيات المخطط الامريكي التي غلفت باعتبارات انسانية «رقيقة». وكما العراق، فإن السودان ومهما تعاون ومهما التزم بتنفيذ متطلبات القرار الاممي فسيجد اصواتا من اقليم دارفور تدفع في الاتجاه المعاكس وتوفر التهم والذرائع... وسوف يجد في ادارة بوش وفي الاممالمتحدة من يقول له انه «تعاون» ولكن ليس بالشكل الكافي والكامل»... وسوف تتعالى أصوات منادية بالتدخل تحت غطاء أممي (أو دونه) بهدف «انهاء مأساة أهالي دارفور»... وسوف يسارع مجلس الأمن الذي استوعب درس العراق بالكامل الى اصدار تأشيرة بالتدخل «لأسباب انسانية» لاقناع الحكومة السودانية بأنه لا خيار أمامها إلا الانحناء للمخطط الأمريكي بالتنازل عن سيادتها أو عن جزء منها طوعا أو عن طريق العدوان العسكري.. فمن يصدق أن وضعا صعبا في اقليم دارفور بتداعياته التي تكدست على مدى عقود يمكن أن تعالج وتحل في ظرف شهر؟ ومن يصدق أن الأطراف الاقليمية والقوى الدولية التي حركت وحرّضت وصبت الزيت على النار سوف تنكفىء على نفسها وتنسحب لتترك الحكومة السودانية تسوّي هذه القضية بعد أن استوت الطبخة ونضجت الثمرة وحان وقف القطاف؟ ومن يصدّق أصلا أن المعاناة الإنسانية في دارفور ليست إلاّ مطية لتحقيق غايات أخرى تماما كما كانت أسلحة الدمار الشامل مطية لغزو العراق واحتلاله؟ أسئلة يفترض أن تؤرق كل العرب وليس السودان وحده حتى لا نفجع في دولة عربية ثالثة (أو في جزء منها) بعد فلسطين والعراق... لأن المخطط المعلن لا يستثني أحدا وقطار «اعادة التشكيل» انطلق وسواقه يؤكدون أن محطة العراق هي البداية ولم يقولوا ان السودان سوف يكون النهاية!