لا يتملّك الواحد منّا الا الانتباه للفقرة التي وردت في خطاب رئيس الدولة، الخاصة بضرورة تطوير الديبلوماسية الاقتصادية والمذيّلة بتأكيد منه يقول: ... ونحن نعتبر العمل في هذا المجال مقياسا حاسما لمعرفة مدى نجاح أداء بعثاتنا الديبلوماسية والقنصلية. وهذا يعني مباشرة وبوضوح، أنه من هنا فصاعدا ستصبح هناك مقاييس على أساسها يقع تقييم مدى عمل، ونسبة نجاعة اي بعثة تونسية ديبلوماسية في الخارج. الشيء الذي سيخلق بلا شك حركيّة كبيرة لدى هذه البعثات، ويضعها امام مسؤوليات مقاييسها لا تخفى ولا تخضع الا لمبدأ النجاعة، والنجاعة وحدها. وهو ما سيطوّر بدوره عمل هذه البعثات بلا ادنى شك، لكن ايضا ما سيجعل الدولة تنتقي افضل العناصر للعمل الديبلوماسي في المستقبل، وهو أمر هام بل وهام جدا. خصوصا أن هذا العصر لم يعد يفسح المجال بطبعه الا للناجعين والقادرين وسط هذه الامواج المتلاطمة للعولمة، والتغيرات اليومية لاقتصاديات العالم التي تتطلّب خبرات وجهود بل واستشراف ايضا! وهكذا يضع رئيس الدولة الديبلوماسية التونسية امام مسؤولية واضحة، ويسطّر لها برنامج عمل ستقيّمه الارقام، وتحكم عليه قطرات الجهد التي سالت في سبيل تحقيقها او هي ستسيل للتدقيق! إنها عملية تعبئة واستنفار سوف تجعل من العمل الديبلوماسي (ومن سماته المجاملة ومن طبعه الاسترخاء) في حالة يقظة مستمرة، وعمل دؤوب، وانتباه متواصل وبالتالي يغيّره في العمق، ويصهره داخل مهمّة جديدة تنعكس من الخارج على الداخل في زمن سقطت فيه الحدود المعروفة وظهرت نتيجة له حدود اخرى، لا تفصل بين الدول الا في مدي قدراتها الاقتصادية وتحرّكاتها في اتجاه تحقيق التنمية والرفاه. ومن الطبيعي ان تتغير مهام العمل الديبلوماسي وطبيعته مع كل هذه المتغيرات الدولية، ويكون التعاون الاقتصادي من العناصر القارّة في مهمّاته وأن يحظى بالاولوية وأن يعزز علاقات التعاون والشراكة مع بلدان اقامة البعثات الديبلوماسية التونسية في الخارج. وقد وفّرت السياسة الخارجية التونسية المعتدلة والمتوازنة، سبل نجاح هذه البعثات حيث تحظى بسبب مكانة تونس، بالقبول في بلدان الاقامة، وبالاحترام ايضا، وبالتالي فإن الطريق ممهّدة أمامها للاقدام على واجباتها الجديدة بحماس وجهد وأن تعرّف بالمنتوج التونسي، وتستقطب الاستثمارات وتسهّل أداء رجال الاعمال من الجانبين. وبهذا العمل هي لن تقلّل فقط من تبعات العولمة على اقتصاد البلاد، بل هي قد تحوّل تلك التبعات من سلبية الى ايجابية، ومن مريبة الى مرحّبة، ومن عقبة الى نقطة انطلاق. وهذه مهمّة غير مستحيلة، بل ممكنة جدا، وهي ان نجحت ستوفّر للاقتصاد التونسي من «الاكسيجين»، ما يجعله في منآى عن كل عملية اختناق وعن كل ازمة. وفي عصر لا مكان فيه الا للاقتصاديات القوية، فإنه من الطبيعي جدا، ان تتحوّل مهام البعثات الديبلوماسية، وأن تتبدلّ طرق عملها، وأن تختلف اهدافها لتصبح شديدة الوضوح من ناحية المطلوب منها ومن ناحية مقاييسها التي من أهم ما ستنتجه وضع الرجل المناسب في مكانه المناسب. وهذه نتيجة بلا جدال اكثر من هامة، ومخاض طبيعي لن يطل الا على ولادة طبيعية على الاقل في عمل الهيئات الديبلوماسية التي مهما نأت فإنها ستظل مرتبطة ببلادها، قريبة منها، بل وملتصقة بها. إننا نشدّد مرّة اخرى على هذا المعطى، لأنه لا يجعل فقط كل طرف مواجها لمسؤولياته بل سيجبره جبرا على عدم التهرّب منها أي كانت اسباب ذلك التهرّب. وبلا شك فإن أنبل المهام تحتاج الى ضوابط تمهّد لها سبل النجاح من الاول، وليست توجد من مهمّة أنبل الان، من دعم الاقتصاد وتطويره وتسهيل ولوج بلادنا في السوق العالمية، ذلك كلّه سينعكس على الداخل ويحدد مصير تونس لسنوات طويلة قادمة، بل لعقود بحالها وربّ جملة، كما يقال!