إن في الحديث عن صورة المقاومة العراقية، بصيغة المفرد اختزالا مخلا لا ريب. فهي سواء في واقعها وحقيقتها أو في الصحافة الاماراتية والعربية عامة، صور متراكبة يصعب أن نحوك أوافها أو أن نظهر تواشجها واشتباكها، ولكن يمكن أن نقف على أسباب اختلاف المواقف منها ودوافعه.. هذا الاختلاف الذي يبلغ حدّ التباين بالجملة إنما مردّه إلى التعتيم الذي تمارسه غلبية أجهزة الاعلام والدوائر السياسية العربية على هذه المقاومة إن لم يكن تشويهها كما كتب أحمد يوسف فقد فاجأت المقاومة التي تزداد ضراوة يوما بعد يوم، وتعتمد على أساليب متطورة على نحو متزايد، كلّ الذين راهنوا على حقائق القوة الأمريكية التي لا يمكن التصدي لها. ولم يدرك هؤلاء أن القوّة الغاشمة التي لا تستند إلى عقل وحسابات رشيدة، يمكن أن تفقد صوابها، فلا يعود بمقدورها سوى أن تدمر، لتخلق لها معارضين ومناوئين ومقاومين يخرجون من كلّ الفئات التي تنالها الآثار السلبية الناجمة عن استخدام القوة استخداما أعمى. يخلص الجنرال ريكاردو سانشيز قائد القوات البرية الأمريكية في العراق إلى أن التحدي الأكبر الذي يواجه قواته هو جمع المعلومات عن عناصر المقاومة المزروعين وسط السكان. ويتساءل أحمد يوسف إن كان للرجل سابق خبرة بحروب التحرر الوطني المعاصرة أم لا؟ ذلك ان ما ذكره لا يتعدى الدروس النمطية المستخلصة من تلك الحروب. وأهمها درسان: أولهما أن المقاومة أية مقاومة قادرة على أن تطور أساليبها باستمرار وأن تعزّز فاعليتها في مقارعة الاحتلال، بغضّ النظر عن الخلل الفادح في ميزان القوى بينها وبينه، وأمثلة ذلك لا تخفى. وبعضها واقع قائم ماثل (المقاومة الفلسطينية) وقبل ذلك المقاومة الفيتنامية وحرب التحرير الجزائرية. وثانيهما أنه لا مقاومة دون سند شعبي. ذلك ان رجال المقاومة بشر عاديون يحتاجون إلى الطعام والمأوى والملاذ الآمن. وهذه وغيرها شروط لا يوفرها إلا المحيط الشعبي المساند. والتاريخ المعاصر يعلمنا أن الشعوب لم تتخلّ قط عن أولئك الذين يناضلون من أجل حرّيتها. غير ان أهم صفة للمقاومة الحالية أنها «سنّية».. هذا ما يردّده المحتل الأمريكي وقليل أو كثير من العرب. ولذلك سموها «المقاومة في المثلث السني». وهو وصف يحتاج إلى تدقيق كبير. ويتساءل جمال خاشقجي: لماذا انفرد سنّة العراق بمقاومة الاحتلال؟ والمسألة في تقديره ليست مسألة من هو أكثر وطنية، فالطوائف الأخرى من عرب شيعة وأكراد لا يقلون غيرة. ويعرف الجميع بأسهم في العراق نفسه زمن الانتداب البريطاني. أما العراقيون المغتربون من السنة وقد تحدث الكاتب إلى بعضهم فينتابهم شعور بالخوف من المستقبل وقلق من أن يكونوا الفريق الخاسر في أي تركيبة حكم يتركها الأمريكيون خلفهم. وبعضهم على كراهيته الاحتلال يحرص على بقاء القوات الأمريكية «على الأقل الآن» لأنهم يخشون اليوم التالي لرحيلها وما يمكن أن يعقبه من مذابح وحرب أهلية. وفي السياق ذاته يكتب ديفيد اجناتيوس (كاتب أمريكي) زار الفلوجة وتحدث إلى بعض شيوخها «أثناء زيارتي لها، تعرض الجنود الأمريكيون هنا اليوم لهجوم ثان في منطقة الفلوجة التي تعدّ قلعة ملتهبة لنشاط المقاومة المناوئة للاحتلال في هذا المثلث السني من البلاد...» ويضيف أن ما يقلق البعض ليس هو أن تبقى قوات الاحتلال لفترة طويلة، بل ان تضطرّ للانسحاب والرحيل بأسرع مما يتوقع العراقيون ولكنه يقرّ بأن الفلوجة اكتسبت سمعة كبيرة باعتبارها مدينة جامحة صعبة المراس «ونموذجا على الصعوبة الحقيقية التي تواجهها القوات الأمريكية في السيطرة على مجموعة صغيرة نسبيا من قوات المقاومة العراقية المسلحة». برغم أن الأمريكيين حاولوا اللعب بالأوراق القبلية في هذا «المثلث السني العصي» بعبارة الكاتب، غير أنهم لم يحسنوا اللعب، وفشلوا فشلا ذريعا في توفير الخدمات الأساسية للمواطنين ووقعوا في أخطاء فادحة عند تعاملهم مع زعماء القبائل والعشائر.