القاهرة خاص للشروق من مصطفى عبد الحميد فيما بدأت السلطة الفلسطينية في اتخاذ عدد من الاجراءات للخروج من مأزقها الحالي الذي فجرته أحداث غزة وحالة الانفلات الأمني غير المسبوقة يطرح الخبراء العديد من السيناريوهات التي تكفل لها الخروج بأمان وبأقل قدر من الأضرار حاليا، وتحصين الشأن الفلسطيني، من أي احتمالات لنشوب الحرب الأهلية، وحذر الخبراء من خطورة انهيار السلطة، وقال بعضهم إن الحرب الأهلية مستبعدة في حين لم ينف احتمالاتها البعض الآخر، وقدموا عددا من الاجراءات المطلوبة من أجل الحلول الجذرية للأزمة الراهنة والتعامل معها في ضوء الضغوط الإسرائيلية والخارجية التي تحاصر السلطة الفلسطينية وبخاصة منصب الرئاسة ممثلا في ياسر عرفات. في البداية يشير الدكتور محمد حمزة مدير مركز «قدس» للدراسات السياسية الى ضرورة التفرقة بين الاجراءات الخاصة بتهدئة الأزمة الفلسطينية والحلول المؤقتة وبين الحلول الجذرية لها، ويرى أن التعديلات المرتقبة التي سيقوم بها الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات سواء في الحقائب الوزارية أو في أجهزة الأمن ستساعد بصفة مؤقتة في ضبط الاستقرار وتخفيف حدة الأوضاع الحالية، ولكن ذلك لن يكون حلا لهذه الأزمة لأنها أكبر من كل ذلك وتحتاج الى مواجهة شاملة والعلاج الجذري لها على جميع مستوياتها وخاصة على الصعيد السياسي. ويرى الدكتور حمزة ضرورة تطبيق برنامج اصلاحي شامل وديمقراطي وخاصة في حركة فتح بحيث تكون هذه الخطوة من الداخل ومن خلال الانتخابات لاعادة تشكيلها والاتفاق مع كافة الفصائل الفلسطينية على الأولويات والبرنامج السياسي للعمل الوطني والشكل المطلوب للقيادات الفلسطينية ويتعدى ذلك الى اعادة تشكيل السلطة الفلسطينية نفسها بحيث يتم تضمين الفصائل المختلفة في نسيجها، ومشاركتها في السلطة للإعداد للمرحلة القادمة في حال اتمام الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة. كما تتطلب الأوضاع أيضا الاعتماد على الانتخابات العامة لتشكيل حكومة جديدة تكون لها صلاحيات واضحة في اطار تقسيم واضح للأدوار والمهام بين الحكومة والرئاسة والبرلمان، بالاضافة الى ضرورة العمل على تحقيق استقلال وقوة القضاء. ويستبعد الدكتور محمد حمزة نشوب حرب أهلية فلسطينية رغم تأزم الأوضاع الحالية مشيرا الى وجود أياد خفية أجنبية وخاصة الإسرائيلية تعمل على دفع الأوضاع الى حافة الخطر والسقوط في هاوية الحرب الأهلية وذلك على خلفية الاتفاق بين الفصائل على اعتبار استخدام العنف وحمل السلاح ضد بعضها البعض بمثابة خط أحمر لا يجب بأي حال تجاوزه، ويحذر الدكتور حمزة أن هذا الخطر وتجاوز ذلك الخط قد يحدث في حال الانهيار الكامل للسلطة الفلسطينية دون وجود أي بديل وطني يملأ الفراغ الهائل الذي ستتركه، وهو الأمر الذي حدث من قبل في الاردن العام 1970 وفي لبنان العام 1967 حتى عام 1976 ويحدث حاليا في العراق مشيرا الى أن البديل الوحيد لانهيار أي سلطة هو الفوضى والعنف والاقتتال الداخلي خاصة في ظل تدخل العناصر الأجنبية والخارجية. الأولويات أما الدكتور سيد عليوة أستاذ العلوم السياسية ورئيس مركز القرار للاستشارات فيضع مجموعة من الأولويات يدعو السلطة الفلسطينية الى أن تضعها في اعتبارها للحفاظ على الأمن والاستقرار والحفاظ على تماسك الشعب الفلسطيني وتشمل هذه الأولويات : الحرص على الوحدة الوطنية ووحدة العمل والقيادة لمواجهة التهديدات الإسرائيلية والوعي الكامل بالمعطيات الدولية والبيئة الإقليمية والبدء فورا في الاصلاح في جميع المجالات وافساح المجال أمام الشباب. ويرى الدكتور عليوة إن ما تشهده الأراضي الفلسطينية حاليا أشبه بالحرب الأهلية بالفعل وتمثل مقدمات أو بوادر انفلات أمني وفوضى ويعرب عن مخاوفه من أن يستغل البعض هذه الأوضاع ليتم تطويرها الى حرب أهلية كاملة، ويطالب بالتحرك السريع والوقائي لمواجهة التهديدات والتحركات الإسرائيلية والتعامل معها بجدية مشيرا الى أن اسرائيل تقوم حاليا بعمليات تمهيد للرأي العام العالمي لحركات درامية وقوية ستقوم باتخاذها خلال الأيام القادمة. ابعدوا عن عرفات ومن جانبه يؤيد الدكتور محمد السيد سعيد نائب مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية المخاوف المثارة ويرى أن الحل السليم لمواجهة الأزمة يتطلب القيام باصلاحات سياسية جذرية لوضع تصور شامل للإصلاح في الأراضي الفلسطينية، ويشمل ذلك اعادة الانتخابات على كل المستويات والفصل بين منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة بحيث يبقى الرئيس عرفات رئيسا للمنظمة والابتعاد عن التعيينات الجزافية القائمة على الولاءات وتعدد الأجهزة الأمنية. كما تستدعي المواجهة السليمة للأزمة تطبيق القانون الأساسي والدستور بصورة حازمة، وتمكين مؤسسات الدولة من العمل بصورة اعتيادية واحياء المؤسسات السياسية للشعب الفلسطيني وتمكينها من السيطرة على الأدوات الأمنية والعسكرية. ويؤكد الدكتور محمد السيد سعيد أن ما تشهده الأراضي الفلسطينية حاليا لا يمثل أبدا : حربا أهلية ولكن نوعا من التمزق السياسي وتقطيعا لأوصال المجتمع السياسي الفلسطيني. وفي المقابل يؤكد الدكتور عبد العزيز شادي أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة ضرورة التفرقة بين مستويات مختلفة من الوزن السياسي والفاعلية السياسية داخل حركة فتح والسلطة الفلسطينية بوجه عام ويدعو الى ضرورة مراعاة عدد من الحقائق على رأسها أن عرفات قيادة رمزية تاريخية يمسك بيده جميع الخيوط وهو القيادة التي تجمع بين جميع الفصائل في فتح ويؤكد في ذلك الاطار أن ما حدث خلال الفترة الماضية لا يمثل تمردا على عرفات بقدر ما كان تمردا على كافة الأوضاع السائدة في الساحة الوطنية الفلسطينية والاراضي المحتلة بصفة عامة وذلك نتيجة لضغوط وممارسات الاحتلال الاسرائيلي وعدم قدرة السلطة على التحرك ومعالجة الأمور اليومية للمواطن الفلسطيني. البديل... غير متاح ويعرب الدكتور أبو شادي عن استخفافه ببعض الأطروحات والبدائل التي تظهر بين حين وآخر في العديد من التقارير ويرى أن القيادات التي تعرض نفسها كبديل لياسر عرفات ستفشل، ويقول محمد دحلان ليس بديلا لعرفات ولا يوجد بصفة عامة أي بديل لعرفات على الساحة الوطنية الفلسطينية مشيرا الى أنه محل اجماع من كافة القوى الفلسطينية بما فيها دحلان نفسه مشيرا الى أن انتقادات الأخير لم تكن موجهة الى شخص عرفات ولكن للسلطة وأجهزة صنع القرار وتوزيع السلطات ويحذر من فتح باب جهنم بطرق قضية بديل عرفات في هذه المرحلة وهو ما قد يؤدي الى تقويض السلطة الفلسطينية كلها ويعطي المجال لبعض الفصائل ذات الاتجاه المتطرف ويؤدي الى زيادة وزنها النسبي على الساحة الفلسطينية وهو ما يتطلب ضرورة التركيز على المقاومة لتحرير الأراضي الفلسطينية واعادة توحيد الصف في عملية التفاوض مع اسرائيل.