تونس الشروق : يستأثر اعداد القائمات الانتخابية للتشريعية القادمة باهتمام الرأي العام السياسي الوطني على درجة عالية من «الحماسة» و»الحرارة»: ويُجمع المتابعون على أهمية موعد 24 أكتوبر القادم في رسم ملامح المشهد السياسي التونسي خلال الفترة القادمة وتوضيح مكانات وقدرات احزاب المعارضة على المساهمة بجديّة والانخراط بفاعلية في المجهود المعلن من اجل الارتقاء بالبلاد الى مرحلة جديدة من الممارسة السياسية والديمقراطية. وينظر عدد من المهتمين بمسار حركات المعارضة التونسية الى أن منطق الربح والخسارة لحساب المدة البرلمانية القادمة (2004 2009) سيكون مغايرا لحسابات المدة المنقضية (1999 2004) بالنظر الى أن الربح والخسارة يتجاوز هذه المرّة البعد الشخصي والذاتي الى مستوى «الهم» والمشغلة الوطنية وقدرة الاسماء المترشحة على ضمان قدر من الفاعلية والانخراط في تطوير الحياة السياسية وتصعيد اضافات حزبية وفكرية قادرة على التعبير على حقيقة المهمات المطروحة على البلاد في زمن اقليمي ودولي متقلّب ومتبدّل يتطلب اليقظة الدائمة وتحفيز كل الطاقات لتجنّب كل التأثيرات او المزالق الخطرة التي قد تهدّد بعضا من المكاسب والانجازات على اعتبار المنزلة التي يجب أن تكون عليها كل المؤسسات والهياكل وخاصة منها المؤسسة التشريعية من أجل فهم المتطلبات ووعي بضرورات المرحلة. وعلى الرغم من المؤشرات السلبية المتصاعدة منذ فترة من داخل جل احزاب المعارضة حول الصراع على المواقع والتنافس الذي بلغ درجات متقدّمة من الحدّة في بعض الحالات سواء من أجل المناصب القيادية والزعامات او في موضوع الساعة المتعلّق برئاسة وعضوية القائمات الانتخابية حيث بلغ «الصراع» مرحلة عالية ومن غير المستبعد بحسب عارفين بوضع هذه الاحزاب ان تؤول الاوضاع الى ما آلت اليه الاوضاع في المواعيد الانتخابية الفارطة من تهديد بالاستقالة او الانسحاب او تلويح بالاتهامات وربّما الالتجاء الى الاقصاء والطرد مرّة واحدة ولا يستثنى في ذلك المشهد ان حدث لا الكوادر الفاعلة في الهياكل الوسطى او العليا من مجالس مركزية او هيئات ومكاتب سياسية وكتاب عامين للجامعات المحلية او الجهوية اذا ما شعرت بأنها قد تقع مواقع الغبن والاستثناء ولا قيادات الاحزاب نفسها اذا ما رأت في بعض الاسماء بعض التنطّع او العصيان او البروز اللافت او الاعمال الجانبية الاحادية او التحرّك الموازي المقابل لنشاط رئيس الحزب او امينه العام او المضايق له. برغم هذا المشهد وكل المآلات المحتملة والتي هي امتداد لحالات الاحزاب السياسية التونسية منذ فترة ماضية غلبت فيها المنافع والمصالح على الروح الحزبية والوطنية، برغم ذلك يعمّ السياسيين على اختلاف درجاتهم احساس بجسامة القادم بحيث لم يعد من الممكن قصر الحديث في تقاسم بعض المواقع والمكاسب الضيّقة والمحدودة والاكتفاء بمدى من الرؤية لا يتجاوز خطو القدم الواحدة. إن استغلال الهامش الانتخابي والاعلامي الذي ستتيحه المنافسة الانتخابية القادمة بشقّيها التشريعي والرئاسي من أجل تدعيم الحضور الحزبي المعارض في المشهد السياسي الوطني وتعزيزه والنهوض بالحياة الداخلية الحزبية والارتقاء بها نحو آفاق ارحب في اتجاه توضيح الخيارات والبرامج وتحديد استراتيجية العمل والتحرّك السياسي المستقبلي في ظل استقلالية عن السلطة السياسية في البلاد وبيان لتمايز معها على مستوى البرامج والاطروحات، سيكون المدخل الصحيح والرئيسي لأحزاب المعارضة لجني الارباح بصفة عملية والابتعاد كل البعد عن الخسائر المحتملة في هذا الظرف الدقيق والحسّاس من حياة البلاد. إن مشاركة احزاب المعارضة في الموعد الانتخابي القادم تتجاوز بكل الاشكال تقاسم ال 37 مقعدا المقرّرة لها وفق نظام الاقتراع المعتمد الى الحراك السياسي الفعلي الذي يُلغي الأبعاد الحزبية والشخصية الضيقة ويتّجه نحو آفاق أوسع على اعتبار ان الحياة العامة في البلاد لم تعد في حاجة الى مجرّد ديكورات أو تسميات خاوية وأضحت تطلب حركات معارضة ذات مردودية ومساهمات ناجزة قادرة على بيان حقيقة ما يعتمل في المجتمع التونسي من اختلافات في الرؤى والتصوّرات ومن ثراء فكري وسياسي لم يعد من الممكن نكرانه او تجاهله او ابقاؤه مهمّشا خارج الاطر والهياكل الحزبية الرسمية. لقد أضاعت احزاب المعارضة في مواعيد انتخابية سابقة العديد من كوادرها وألحقت بنفسها الاضرار الكثيرة بحكم تقليص هامش العمل وانتشار سياسات الاقصاء والمناورة التي اتبعت طيلة الفترة الماضية والتي حوّلت العمل الحزبي الى مجرّد لهث غير منقطع من أجل كسب عيني ملموس او موقع مأمول وهو ما أفقد جل الحركات اشعاعها وبريقها وأجد بين كوادرها ووسط قواعدها المحلية والجهوية حالة من اليأس ورغبة في الابتعاد بل والانقطاع عن العمل السياسي مرّة واحدة والاستقالة عنه. إن الضوابط المنظمة للحملة الانتخابية ولعموم العملية الانتخابية المقرّرة ليوم 24 أكتوبر القادم تتيح بشكل لا مجال فيه للشك او القدح فرصا ثمينة للاحزاب المعارضة من أجل ممارسة سياسية حقيقية وفاعلة تتأسّس أصلا على تجميع وتعبئة الانصار والناخبين وبسط البرامج الانتخابية والرؤى وتقديم المقترحات والتعريف بالمبادئ والنظريات وتغيير الرأي السائد حول طبيعة هذه الاحزاب الفاقدة عمليا لأي تأثير شعبي او جماهيري. وفي المحصلة فإن بين تلك الحاجيات الوطنية الكبرى والضرورات الحزبية المتأكّدة ستكون هوامش الربح اقرب الى احزاب المعارضة من حسابات الخسارة لأن الوقت أصبح في منتهى الضغط والدقة الى حد يُمكن معه تصوّر اسوإ الاحتمالات رداءة وسلبية اذا واصلت هذه الاحزاب تعاملها مع المحطات السياسية تعاملا براغماتيا ضيقا لحساب بعض الاسماء او القائمات دون نظر الى المتغيرات والمستجدات التي اضحت تتطلب فلسفة جديدة في العمل السياسي تنهض عن الذاتية والشخصية لتنفتح على كل الوطن وكامل البلاد.