ليس بدعة القول بأن أمر الانتخابات الرئاسية القادمة محسوم من الآن، وليس في ذلك ما يضير أو يفاجئ، ففي المشهد مرشّح أبت أغلب بل وأهم المنظمات الوطنية إلا أن تقف وراءه، وزكّاه أهم حزب معارض. وفيه رجل يجرّ إنجازات من حجم ثقيل وليس كلمات في وزن الريشة، وهو ما يصنع الفرق مبكرا بينه وبين بقية المرشحين. هذا إذا ما كانت المقارنة تجوز أصلا! وليس في هذا تحامل على أيّ طرف، ذلك أن التحامل قد يصحّ إذا ما وجهت سهامه الى من بإمكانه قلب معادلة، أوتغيير حقيقة، أو التحكّم في أوضاع. وهذا ما لا يمكن الحديث حوله أصلا، في الانتخابات الرئاسية القادمة! وعلى الرغم من حقيقة المشهد الذي نرى، فإنه بإمكان تونس كلها أن تخرج منتصرة من الاستحقاق القادم، فالرئيس زين العابدين بن علي سيطرح بالضرورة برنامجا اقتصاديا واجتماعيا لحملته، وقطعا سيكون هذا البرنامج ثريا ومتنوعا، وسيمسّ مختلف القطاعات والطبقات. ولا أحد يعتقد أن ما سيحتويه البرنامج، سيجد من ينافسه ليس انطلاقا من محتواه لوحده، بل انطلاقا من أنه صادر عن رجل دولة، عرف كيف يديرها لمدة سنوات طويلة، ومن الموقع الذي يفرض عليه إنجاز ما يعد به، وليس من موقع الرّمي بشعارات عامة لا أحد يختلف حولها أو عليها، ولا أحد بإمكانه، ادّعاء احتكارها سواء كان في السلطة أو في المعارضة. وبالتالي يصبح المطلوب الالتفاف حول هذا البرنامج ، ودعمه وايجاد الطرق والأفكار لتنفيذه كاملا، ووسط اجماع من كل التونسيين. ولسائل أن يسأل، وكيف سيكون وأين يتمثل دور المعارضة وقتها؟ إن الجواب عن هذا السؤال يحتاج في الحقيقة الى الكثير من الواقعية، وإلى الكثير من التواضع. ليس لأن حجم المعارضة معروف مسبّقا، بل لأن دورها في تونس لم يتجاوز في أي فترة دور المراقب السياسي للمشهد السياسي فيها، ثمّ إن الالتفاف حول البرنامج الاقتصادي والاجتماعي للرئيس، لا يفرض بالضرورة على المعارضة أن لا تظلّ تطالب بما تراه ضرورة في المشهد السياسي على وجه الخصوص. فالتوافق حول ما ينفع لا يمكن أن يلغي الدور المنوط بأحزاب الضفة الأخرى ورموزها. والانخراط في برنامج يعلم الكل أنه قابل للتحقق، وأنه يمسّ البلاد كلّها، وأن دعمه لن يضرّ أي طرف بل بالعكس تماما سوف يعود بالنفع على كل الأطراف، يصبح في مثل واقعنا ضروريا وأكيدا! ونظرا لأسباب عديدة لم تعد طريق المعارضة في تونس سالكة كما كانت من قبل، بل ان التغيرات العميقة التي شهدها المجتمع والاقتصاد وطرق التفكير في بلادنا، عسّرت جدا ذلك الدور ولم يعد بالتالي هذا الدور سمة أو ميزة هلامية وفضفاضة. فإذا لم يكن أي طرف عمليا في ما يقول ويطرح، لم يجد أذنا تنصت أو مزاجا يستوعب! على المعارضة إذن أن تعيد اكتشاف دورها، وأن تبتدع طرقا جديدة للعمل والتفكير، سوف تكتشفها من خلال القراءة الصحيحة أيضا للواقع، وللرأي العام، ولمهجة التونسيين والتونسيات، وخصوصا لحجم الاحزاب كما هي لا كما يقول التمنّي وتحدّث النفس! وعلى أية حال فإنّ الاجماع حاصل اليوم وقبل اليوم في تونس، كما توجد أغلبية رئاسية بالطبيعة في بلادنا ومنذ سنوات، ويمكن لأي متردّد أن ينخرط فيها على طريقته حتى لا يقصي نفسه بنفسه، وحتى لا يفوّت عليه فرصة أن يشاهد المشهد من بعيد، فيما هو يعتقد أنه في صلبه!