أقر وزير الدفاع الأمريكي، دونالد رامسفيلد بارتفاع حجم الخسائر البشرية الامريكية وخاصة خلال الايام والساعات الاخيرة.. وفي نفس الوقت اقر رئىس الوزراء البريطاني طوني بلير، بأنه قد يكون وحليفه الرئىس الامريكي، بنيا استراتيجيتهما لمرحلة ما بعد الحرب في العراق، على حسابات خاطئة... ولئن لم تكن هذه الاعترافات هي الاولى التي تصدر عن اكثر مسؤولي التحالف تطرّفا ومغالاة فإنها جاءت هذه المرة، واضحة لا لبس فيها وان تعمّد الطرفان اخفاء الارقام الحقيقية للخسائر البشرية في صفوف قوات التحالف، مقتصرين العدد على اقل من الألف، في حين تتحدث المصادر الامريكية غير الرسمية عن آلاف القتلى والجرحى في صفوف قوات التحالف... وما كان وزير الدفاع الامريكي الأكثر تشددا ليركن لمثل هذا الاعتراف «المرير» لو لم يكن مدفوعا الى ذلك بالامر الواقع الميداني الذي صنعته المقاومة والذي يؤكد ان المبادرة في العراق ليست بين ايدي الحكومة الامريكية او الحكومة الموالية لها المنصّبة في بغداد، على الرغم من مظاهر السلطة والسلطنة التي تحاول الايحاء بها او من خلال التصريحات الضخمة التي يدلي بها افراد تلك الحكومة حيث اصبح البساط يسحب تدريجيا من تحت اقدام هذه الحكومة، والأكيد ان الإدارة الامريكية تستشعر ذلك بوضوح. المقاومة العراقية ، تصنع واقعا جديدا اليوم في العراق، على الرغم من بعض الفوضى البادية في بعض الاعمال التي لا يمكن ان تنتسب اليها سواء لعدم وجود مبررات منطقية لها او لشدتها في بعض الحالات وان كان ما تعرض له الشعب العراقي وما يتعرض له يوميا يبرّر منطقيا اشد الاعمال جنونا والتي قد ترتكبها بعض الفصائل المقاومة وفيما يتسع مجال التحرك يوما بعد يوم، امام المقاومة العراقية يضيّق هامش التحرّك امام قوات الاحتلال والحكومة الموالية لها، تدريجيا ليسير كل من الطرفين الى المصير التاريخي المحتوم: المقاومة العراقية نحو توحيد الصفوف وتجاوز الخلافات الطائفية او المذهبية او القومية ونحو افراز التصوّر الموحّد والاستراتيجية الموحدة لتحقيق الهدف الاساسي الذي انطلقت من اجله منذ افريل 2002، اي تحرير العراق واستعادة سيادته بالكامل. اما قوات الاحتلال والحكومة الموالية لها فتسير من جانبها نحو مصيرها المحتوم الذي عرفه كل احتلال سخّر طبقة من ابناء البلد لخدمة اهدافه ولضرب المقاومة هذا المصير هو الاندحار لا محالة، حتى وان كان الثمن المدفوع مقابل ذلك باهظا ومكلفا.. لن يكون بامكان الاحتلال الامريكي للعراق ان يستقرّ وان يستفيد من وجوده في هذا البلد، وكان على المسؤولين الأمريكيين ادراك ذلك. وقد مرّ على احتلال العراق اليوم عام ونصف، وجدوا فيه من المقاومة ومن الاستعداد للتضحية ما يمكن ان يؤشر الى ما قد يحدث لاحقا وما الاعتراف بمواجهة خسائر لا تحتمل وبارتكاب اخطاء فادحة في التخطيط لما بعد الحرب سوى نتيجة لهذا الامر الواقع الجديد الذي تصنعه المقاومة العراقية، غير ان هذه الاعترافات لن تكون موقفا مسؤولا الا اذا اقترنت بضرورة اصلاح هذه الاخطاء ومعالجة ما نجم عنها من كوارث في العراق وعلى مستوى القوات الحليفة وذلك عبر التفكير في انسحاب حقيقي من العراق ورفع اليد على حكومة غير ممثلة وغير قادرة على حماية نفسها في محيطها الطبيعي، الذي يفترض انها انبثقت منه ولخدمته..