أول تحرك رسمي من السنغال لإلغاء سحب كأس إفريقيا: الجديد    وزير الخارجية يترأّس جلسة حوارية ببرلين .. ويستعرض مواقف تونس من عدد من القضايا الإقليمية والدولية    باجة: عرض تجارب الاقتصاد فى الماء بالقطاع الفلاحي بمناسبة اليوم الوطنى للاقتصاد في الماء    توزر: يوم تحسيسي إعلامي لفائدة مربي المجترات الصغرى استعدادا لموسم سفاد الأغنام    المنظمة الدولية للهجرة بتونس: عودة 97 مهاجرا إلى غينيا    السنغال تطعن أمام محكمة التحكيم الرياضية على تجريدها من كأس الأمم الافريقية    توزر: مهرجان مسرح الطفل بدقاش في دورته ال24 بين الورشات والعروض فرصة للتكوين والترفيه    كمان سانغام"...حين تلتقي أوتار الهند بنبض الشرق في تونس    المستشار الجبائي يحذر: المهن غير التجارية عندها خصوصيات لازم القانون يحميها    عاجل-الليلة: ''الحرارة إلى ما دون العشر درجات''    إيران تبلغ باكستان رفضها خطة أمريكية من 15 بنداً لإنهاء العداء    عاجل: إغلاق الأنشطة التجارية عند ال 9 مساءً يشعل الجدل في هذه الدولة العربية    عاجل: سوم الذهب يرتفع مرة أخرى    سيدي بوزيد: فعاليات متنوعة في الدورة 27 من مهرجان ربيع الطفل بالمزونة    فاجعة تهز هذه الولاية ليلة العيد..تفاصيل صادمة..    امتيازات جبائية لدعم التنقّل الكهربائي وبطاريات الليثيوم: وزارة المالية تكشف وتوضّح..    عاجل/ تحذير: سحب دفعات من حليب الأطفال "أبتاميل"..    عاجل: بطل تونس لرفع الأثقال كارم بن هنية يعلن اعتزاله وعرض ألماني ينتظره    هل تدمر ''moteur ''كرهبتك بصمت؟ اكتشف الأخطاء اليومية    عاجل/ من بينهم شفيق جراية: احكام سجنية ثقيلة ضد هؤلاء..    وفاة فاليري بيرن نجمة فيلم سوبر مان    الترجي الجرجيسي: اليوم إستئناف التحضيرات إستعدادا للجديات    الوداد الرياضي المغربي يتعاقد مع المدرب الفرنسي باتريس كارتيرون    المنتخب الوطني: إنطلاق التحضيرات إستعدادا للوديات    رئيس وزراء إسبانيا: حرب الشرق الأوسط "أسوأ بكثير" من غزو العراق    عاجل: هاندا أرتشيل وحبيبها السابق في دائرة التحقيق بقضية مخدرات    الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة تنظم دورة تكوينية حول التنقلات الكهربائية بصفاقس من 24 الى 26 مارس 2026    وزير الخارجية يلتقي التوانسة في المانيا...علاش؟    عاجل: دولة عربية ''سوم'' الطماطم فيها يرتفع بشكل مُلفت    م..قتل سبعة من الجيش العراقي بقصف جوي استهدف قاعدة عسكرية في الأنبار    سفارة الجمهورية التونسية بالقاهرة تنظم عرضا للفيلم التونسي " وراء الجبل" يوم 26 مارس 2026 بالمعهد الفرنسي بالمنيرة    إستعدادا لمواجهة النادي الإفريقي: مستقبل قابس يستقر على هوية مدربه الجديد    عاجل/ ملامح زيادة الأجور لعام 2026: النسبة والتطبيق قد يؤجل لهذا الموعد..    فرص لكل التلامذة التوانسة :كل ما تحب تعرفوا على المنصة المجانية    صغارك في خطر... ملابس الموضة السريعة ممكن تسبب التوحد ومشاكل نمو    وزارة الأسرة تحتفي بالعيد الوطني للطفولة تحت شعار "أطفال آمنون في الفضاء الرقمي ... مسؤوليّة مشتركة"    مواعيد تهّم التوانسة : الشهرية وقتاش ووأقرب jour férié    فتح بحث تحقيقي إثر العثور على جثة عون بلدي مشنوقاً بباب العسل    وزارة التجارة تعلن تلقي 342 شكاية خلال شهر رمضان..وهذه التفاصيل..    عاجل/ طائرات مسيرة تستهدف مطار الكويت ونشوب حريق..    رحيل مخرج مصري معروف    عاجل/ بعد اصدار أوامر بنشر 2000 عنصر- ممثل خامنئي يتوعد الجنود الأمريكيين: "اقتربوا"..    تحسن في الوضع الجوي اليوم..    خطير/ تعرض المترو 5 و6 الى حادثتي تهشيم واعتداء على الركاب..#خبر_عاجل    75% من الأدوية في تونس تُصنّع محليًا    تونس تحتضن اللقاء العلمي الأول حول العلوم العصبية والطب الفيزيائي يوم 27 مارس 2026    عاجل : حكم بحبس شقيق شيرين عبد الوهاب 6 أشهر    الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد تختار نور الدين الطبوبي رئيساً وناطقاً رسمياً للمؤتمر    محمد صلاح يعلن رحيله عن ليرفربول بنهاية الموسم الحالي    عاجل: فيضانات محلية مرتقبة في عدة دول خليجية    هل تساعد القهوة على خسارة الوزن؟ التوقيت يصنع الفرق    طقس اليوم.. ارتفاع طفيف في درجات الحرارة    طهران تبلغ واشنطن بعدم رغبتها في استئناف المفاوضات مع ويتكوف وكوشنر وتفضل التعامل مع نائب الرئيس    6 اشهر سجنا لشقيق شيرين عبد الوهاب بتهمة التعدي عليها    في مشهد سماوي بديع.. القمر يقترن بالثريا الليلة    عاجل/ هذا موعد عيد الاضحى فلكيا..    هل صحيح اللي ''العرس'' في شوال مكروه؟    حديث بمناسبة ...عيد الفطر في تونس سنة 1909    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مصطفى بكري في حديث شامل ل «الشروق» (2 ): هذا هو سرّ الخلاف بين بوش وشارون
نشر في الشروق يوم 18 - 06 - 2005


القاهرة الشروق من فاطمة بن عبد الله الكراي
... طوال الحديث الشامل الذي استغرق أكثر من ستين دقيقة، لم ينقطع الرجل عن الكلام كما لم تشح ذاكرته عن تقديم الشواهد والأدلة التي يدعم بها ردوده على أسئلتي... ففي مراوحة مقصودة، ويتيحها له فكره القومي الناصري، بين الماضي والحاضر، تحدث الأستاذ مصطفى بكري عن أصناف الاحتلال التي عرفتها المنطقة العربية من الانقليزي إلى الفرنسي واليوم الأمريكي في العراق...
في هذا الجزء الثاني والأخير، تحدث الرجل عن الأهداف الاستراتيجية للاحتلال الأمريكي للعراق. فبين أنها أهداف مرتبطة عضويا بالتوسيع الإسرائيلي من فلسطين باتجاه النيل والفرات... رئيس تحرير جريدة «الأسبوع» شدّد كذلك على أن ليس لأمريكا صديق دائم أو حليف دائم باستثناء اسرائيل، التي يعدّ تحالفها مع الولايات المتحدة عضويا لا إنفصال منظور أو بعيد سيشوبه...
تحدث بكري في هذا الجزء عن العراق وأجوار العراق ومكونات العراق الإثنية والدينية، فبين من خلالها الأهداف الأمريكية القاصمة والمفرّقة، بل العاملة بسياسة بريطانية قديمة قوامها : «فرّق تسد»....
كشف بكري من خلال تصريحات المسؤولين الأمريكيين أنفسهم عن وضعية مجلس الحكم الانتقالي في العراق الآن، وكيف تعتقد واشنطن أنها لم تجد إلى الآن «الزعيم» المناسب لها، لكي يقود العراق... كما كشف الرجل النقاب، وكما هو معهود عنه، عن أن النوايا الأمريكية في المنطقة العربية خالية من كل توجه ديمقراطي ترضاه أمريكا للمنطقة. وأن الولايات المتحدة الأمريكية تريد أن تجعل في العراق مثالا للهيمنة الأمريكية المتواصلة على العالم والوطن العربي، غير أن المقاومة العراقية دفعت بقوة الاحتلال الأمريكي الى تغيير تكتيكاته باتجاه اخلاء العراق والتوجه نحو الشمال لاقامة منطقة عسكرية استراتيجية تكون بمثابة القاعدة... لأن المقاومة أرقت وفجعت قوات الاحتلال المتناثرين على كامل الجسم العراقي.
* هناك من يعتقد ان العقل العربي، وانطلاقا من هذا الكسل الذي يعاني منه في استيعاب المتغيرات وصنع التغييرات او هذا القصور الذي لا يجعله يستوعب جميع المستجدات في تنافرها او في تماثلها، هذا العقل العربي وكأنه مدمر من المحن التي طال عمرها، فلم يجد ضالته، هل تعتقد ان محاورة الآخر هذا الغربي الذي يخرج للشوارع ويتنظم في مؤسسات حقوقية وانسانية، بدأت تتنطع على واشنطن وتل أبيب بالتحديد، الا ترى ان هناك امكانية لمحاورة هؤلاء القوم، حتى لا نتقوقع نحن وحتى لا يذهب هؤلاء الرافضون لسياسة واشنطن وتل أبيب، الى مؤشرات قد تبعد عن الحقيقة، بحكم تخلّي صاحب الحق عن دوره في كشف حقائق حقّه؟
يعني مسألة التواصل والحوار مع القوى الحية في الغرب هي مسألة مهمة جدا، ليست مهمة فقط في اطار ما نسميه حوار الثقافات وتلاقح الثقافات بل هي قضية أمن قومي... اذ من المهم جدا ان يكون لنا حوارنا مع القوى الفاعلة والحية في المجتمع الغربي، مع القوى الرافضة للسياسة الامبريالية والسياسة الصهيونية، وهذا يعني جموعا كبيرة ومنظمات عديدة لا يمكن تجاهلها ولا يمكن اسقاطها من أجندتنا الأساسية، ولكن أقول ان الحوار دائما وخصوصا مع بعض القوى الموجودة في الغرب لا يجب ان يكون حوارا من منطلق الدفاع عن مفاهيمنا ومواقفنا بالأساس، انا أعتقد اننا لسنا بحاجة الى أن نضع أنفسنا في موقع الدفاع، بل نحن في حاجة الى ان نكشف زيف السياسة الامريكية والغربية التابعة لها، في مواجهتنا وفي عدائها لبعض انماطنا الحضارية وهجومها المستمر على بعض من مظاهر حضارتنا العربية الاسلامية محاولة نفينا من التاريخ ومحاولة الاعتداء على ثقافتنا الاساسية وتقديم نموذج الثقافة الامريكية على أنه النموذج القائد الذي يجب ان يحتذى. ونحن ليس لدينا مانع في ان نتعامل مع كل الثقافات، ولكن الثقافة لابد ان يكون لها بعدها الانساني. والثقافة الامريكية ليس لها اي بعد انساني. فالثقافة الامريكية ثقافة تقوم على القوة المادية والمصلحة الخاصة وعلى السياسات الاستعمارية والسجل المدوّن للثقافة السياسية الامريكية في مجال السياسة الخارجية. فهو سجل لا يمكن ان يمتّ بأي صلة للديمقراطية ولا الى حقوق الانسان بأي صلة. فأنا أقول هنا ان التجربة الامريكية لا تصلح كنموذج تجربة ملهم لبقية الشعوب لأنها تفتقد بالفعل كل المعايير التي تجعل منها حضارة حقيقية ذات بعد انساني وذات بعد تاريخي ذات جذور وذات ثقافة تحترم الآخر وتحافظ على هويته وتتوخّى أسلوب المثاقفة وليس الهيمنة... لكن الحاصل الآن، تصلنا الثقافة الامريكية في صورة دبابة او الآلة العسكرية الامريكية...
الامر الاخر، اذا كنا الآن نتحدّث عن ثقافة ما بعد المكتوب، أي ثقافة الصورة وثقافة «الهوائيات». هذه الثقافة التي تبثها علينا الولايات المتحدة الامريكية وفيها تضمين للوجه الامريكي وهو يسيطر حتى على الصورة الاوروبية. هي ثقافة لا تخاطب العقل ولا تحضّ على القيم ولا الاخلاق، هي ثقافة تخاطب الجسد وتخاطب الغريزة. مطلوب منا ان نتخلى عن قيمنا وعن عقائدنا وأخلاقياتنا لنصبح سلعة استهلاكية في نظر الثقافة الامريكية. هذا هو المطلوب والمراد. فعلى أي أساس يمكن ان نتعامل مع هذه القوة المهيمنة التي تريد ان تفرض ثقافة القوة بالقوة على الاخرين؟
لهذا أقول انا مع الحوار لكننا لسنا في موقع الدفاع، نحن يفترض منا الآن ان نكشف المخطط. هناك بعض القوى المعادية لنا، لا يمكن بأي حال من الأحوال ان نتحاور معها، وحتى ان تحاورنا فلن يكون ذلك على حساب المبادئ والهوية.
* من خلال مراكز الدراسات التي تتعامل معها الادارات الأمريكية المتعاقبة ومن خلال التصريحات المفصلية التي تصدر عن مسؤولين أمريكيين والتي تعد بمثابة البرنامج السياسي، وصل الحد الآن بالادارة الحالية في واشنطن الى أن تتدخل في المناهج التربوية للبلدان العربية، وكأن الأمريكيين يقولون لنا «دعوا لنا العقل العربي الغض ومنذ الطفولة نتصرف فيه نحن وننتج الإنسان العربي الذي نريد». أمام هذا المستجد لا نجد العرب قد تجانسوا في الرد، بل إن الرد غاب في حين نعيش عصر عولمة أهم العقبات أمامها كانت مسألة الاستثناء الثقافي الذي رفعته فرنسا في وجه الهيمنة الأمريكية... أما في صفوف العرب، فإن الوجوم هو الغالب، بحيث انقسمنا بين رافض في صمت وبين متقبل للفكرة ومبشّر بها وبين عاقد العزم على تجريب الفكرة. ما هو رأيك في هكذا مقترحات وهكذا ردود أفعال؟
عندما تحدث دونالد رامسفيلد قائلا أن الحرب القادمة هي حرب العقول فقد كان يعني التدخل في مناهج التربية والتعليم في الوطن العربي ولتغيير ما يسميه بالخطاب الثقافي العربي الحالي، فهو يرى أن الخطاب الثقافي العربي هو خطاب معاد، فهو خطاب ينتج الإرهاب كذلك التدريس في الوطن العربي بالنسبة لهم هو منتج للإرهاب ويساعد على قيم التخلف الديمقراطي، بالقطع عندما تطلق الإدارة الأمريكية مثل هذه الادعاءات نحن نعرف مرمى الهدف. والهدف هو تهيئة العقل العربي لتقبل الثقافة الأمريكية أو ما يسمونه ثقافة الحوار مع «الآخر»، واسرائيل في نظرهم (الأمريكان) هي «الآخر» بالنسبة للعرب فاسرائيل في نظرهم ليست قوة استعمارية أو قوة احتلال لفلسطين. أيضا يرى الأمريكيون الآن أن هناك إرثا تاريخيا أو ثقافيا يتحدث عن مراحل استعمارية. الاستعمار الانقليزي في مصر والفرنسي في تونس والجزائر والايطالي في ليبيا.... وقس على ذلك. هم يريدون بالفعل أن يغيروا هذه المفاهيم وأن يقدموا لنا المستعمر في فترات القمع والاضطهاد ونهب خيرات الشعوب على أنه كان فعلا حضاريا وأنه جاء الى المنطقة بغرض تغيير الحضارة وبغرض تغيير النظرة إلى الحضارة وليس على أنها هيمنة واستعمار هم يستدلون على ذلك بالحملة الفرنسية على مصر عهد نابوليون هم لا يرون ولا يروون عن هذه الحملة سوى أنها أدخلت المطبعة الى مصر لا أنها أهانت «الأزهر» وقتلت آلاف المصريين وأهانتهم واستباحت كل المحرمات على أرض مصر. هم يرون أن نماذج مثل مصطفى كامل وسعد زغلول ومحمد فريد. هي نماذج تحرض على العنف وليست نماذج تدعو إلى الوطنية والتحرر الوطني... وقس على ذلك أشياء كثيرة. لذلك بعد أن فشلوا في اجبار الإنسان العربي على القبول بالنهج الأمريكي والقوة الأمريكية والقوة الإسرائيلية هم يرون أن الحل الآن في تهيئة العقل العربي لقبول ذلك من خلال تربية أجيال جديدة على قيم جديدة ومناهج تعليمية جديدة. ومن المؤسف أنهم بدأوا بالفعل في مخططهم هذا. نحن نرى الآن تغييرات كثيرة تحدث الآن هنا وهناك... حذف آيات القرآن الكريم وأيضا تغيير منهجي في مناهج التاريخ.
* بالنسبة للقضية الفلسطينية لاحظنا أن هناك سكوتا أمريكيا ملفتا وغير معتاد في مجلس الأمن عندما أقر الأعضاء بقبول خارطة الطريق في الأمم المتحدة بعد أن كانت ترفض الإدارة الأمريكية ذلك. هل الذهنية العربية لها من سعة الفهم بحيث تقف على أن مظاهر هذا القبول انما فيه مقايضة على موقف ما (عربي) في العراق) هل توافق على هذا التحليل أو التصور أو القراءة؟
واضح أن الإدارة الأمريكية في مأزق شديد جدا. وهناك خلافات مبسوطة على الملأ بين شارون وجورج بوش. الرئيس الأمريكي يرى أن المأزق الراهن في العراق هو في حاجة الى نوع من الدعم العربي. وأن الدول العربية رافضة لهذا الدعم لأن الملف الفلسطيني لا يزال مفتوحا ولأن الولايات المتحدة الأمريكية لا تتدخل بشكل مباشر حتى في تنفيذ «خارطة الطريق» على محدودية الحقوق التي تكفلها للشعب الفلسطيني. حدثت اتصالات بين بوش وشارون لكن هذا الأخير كان يرى دائما أن قضية الأمن الاسرائيلي أهم بكثير من أمن القوات الأمريكية في العراق. وهذا الخلاف صُعّد أكثر من مرة دون الإعلان عنه، لذلك رأت واشنطن أن تدفع بروسيا لتقديم مشروع قرار بمجلس الأمن يطالب باستمرار وتنفيذ خارطة الطريق وهذا المشروع حصل على ما يشبه الاجماع في مجلس الأمن وهذا ما كان يتم دون ضوء أخضر أمريكي. هم يريدون بهذا أن يقولوا للعرب : إننا الآن نبلور خطة جديدة ورؤية جديدة لفتح الملف الفلسطيني مرة أخرى وايجاد حل للقضية الفلسطينية. ويعقب ذلك كما رأينا عمليات المصالحة والهدنة التي تتم والدور المصري فيه. كل ذلك يتم من أجل تشجيع العرب على لعب دور ما في العراق. فروسيا دخلت في هذا المطب، حتى يتم من خلالها تسكين القلق العربي ولو لبعض الوقت في مقابل البحث عن حل سريع جدا للوضع العراقي.
ثانيا : بوش يعاني من أزمة داخل الولايات المتحدة بأنه كان سببا لخسارة الولايات المتحدة الأمريكية للعالم العربي والإسلامي وأن حالات العنف التي بدأت تنتشر... في تركيا كما في بلدان أخرى حليفة... العالم يتحرك الآن ضد السياسة الأمريكية. وهذا يقلق الفاعلين في السياسة الأمريكية. هم يلعبون هذه اللعبة.
* وبالنسبة لإيران كيف ترى زيارة احدى عشر عضوا في مجلس الحكم في العراق إلى إيران، ومدى علاقته بما كنت تشير اليه من أن واشنطن محشورة في الزاوية وتبحث لها عن منفذ؟ كيف تمت الزيارة حسب اعتقادك؟
ايران، بتقديري، تلعب منذ فترة طويلة لعبة المصلحة الخاصة بغضّ النظر عن الشعارات والأهداف التي تطرحها، يعني قلنا سابقا بأن إيران كما العراق، كانا من المستهدفين بسياسة الاحتواء المزدوج. ثم قيل (أمريكيا) بان إيران هي هدف قادم للولايات المتحدة الأمريكية... وهذا يمكن أن يكون صحيحا ولكن إيران تحاول أن تلتفّ على هذه السياسة الأمريكية ولو على حساب موافقها المبدئية. فعندما تعترف ايران بمجلس الحكم الانتقالي الذي هو صنيعة أمريكية في العراق، فهذا يعني بصراحة أن ايران تسلم بهذه الصنيعة. وكأنها تسلم بالمحتل الأمريكي للعراق. قبلها بيومين أو ثلاثة أيام من وصول الجماعة إلى طهران (أعضاء مجلس الحكم) كان خامنئي يقول بضرورة دعم المقاومة في العراق. وعن تأييد النضال العراقي... وفجأة بعد يومين يلتقون احدى عشر من أعضاء المجلس وفيها اعتراف رسمي بهم. ماذا يعني ذلك؟ إذا كان الأمر يعني ابعاد شبح صدام حسين فهذا غير منطقي. القضية تعني بالأساس أن ايران تريد أن تقايض العراق بالحفاظ على علاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية حتى وإن كانت غير معلنة بالأساس. وهذا أراه موقفا انتهازيا وكل مرة يجسد نفسه بشكل صحيح أننا في حالة مد وجزر وقضية النووي الإيراني فيها مد وجزر من قبل أمريكا. فمرة تصعّد (واشنطن) ومرة تخفض من وتيرة هجوماتها اللفظية تجاه ايران. لكن بالمحصلة ليس هناك موقف واضح في ايران الآن.
* باعتبار الوضع القائم في العراق، أظن أن ايران هي الآن أشد حضورا في المشهد العراقي، على الأقل من حيث الخلفية ومن حيث تصادف المواقف التي تنبىء أن طهران هنا، ألا ترى هذا الأمر، وخاصة في ما يهم المقاومة العراقية وخلفية نعتها بالمقاومة ومرة بفلول صدام أو فلول النظام السابق؟ ثم إنه سيكون ملفتا إن غابت ايران إن على مستوى المقاومة أو في مستوى استقرار العراق من عدمه؟
أولا، بداية من الظلم أن نقول أن كل المقاومة العراقية هم، كما يقولون عنهم، بفلول صدام حسين أنا أعتقد أن الجيش العراقي والحرس الجمهوري يلعبان دورا رئيسيا ودورا منظما. والخطة التي يجري تنفيذ غالبية حلقاتها ربما تكون هي ذات الخطة التي وضعت قبل سقوط بغداد. ويدلل على ذلك أن هناك معلومات دقيقة لا يمكن أن يقدمها أو يتمكن منها إلا جيش استخبارات... وأن هناك عمليات منظمة وهناك عمليات اسقاط طائرات... هذه لا يمكن أن يقوم بها إلا محترفون بالاساس في الجيش العراقي. ثانيا هناك قوى عديدة أخرى اسلامية ووطنية وقومية تمارس دورها. خصوصا العمليات الانتحارية أو الاستشهادية التي يقوم بها بعض العراقيين. هذا فعل اسلامي من جماعات قدمت أو من جماعات عراقية بالأساس. ثالثا : لا يمكن أن نقول إن المقاومة العراقية محصورة فقط في المثلث السني، إن المقاومة العراقية الآن بدأت من كركوك إلى البصرة. وتدخل فيها عناصر الشيعة وحتى عناصر كردية فالمقاومة العراقية لها مستقبل... فالمقاومة إلى الآن لم تصدر ما يمكن نعته بالبرنامج السياسي ولكن عنوانها السياسي هو التحرير. المقاومة العراقية باعتقادي لا تريد أن تكشف برنامجها السياسي إلى الآن حتى لا تكشف عن هويتها الحقيقية كاملة وحتى لا يحدث نوع من الخلافات. ولكن على الأقل شعار التحرير هو الشعار المنطقي الذي من خلاله وبعده يمكن بناء أسس حقيقية لقيام نظام ديمقراطي عراقي يقوم على التعايش بين كل القوى الوطنية والقومية الرافضة للمحتل الأمريكي. طبعا المقاومة تركت تأثيرات ضخمة في واقع الاحتلال هناك بالداخل... حالات الانتحار في صفوف جنود التحالف المتعددة وحالات الهروب الجماعي فالذين يسافرون إلى أمريكا أغلبم يرفضون العودة مرة أخرى الى العراق. المقاومة تشتد فقد وصلت العمليات خلال هذا الشهر (نوفمبر المنقضي) ما بين 22 الى 35 عملية يوميا... أنا أتصور أن الولايات المتحدة تبحث الآن عن السبيل إلى الخروج من هذا الوحل الذي وجدت نفسها فيه فجأة على غير انتظار... وفي تقديري أنهم يريدون أن يسلموا السلطة والأمن الى حكومة من صنيعتهم (الأمريكان) في جوان المقبل. ثم يخرجون من بغداد والفلوجة وبعقوبة والمناطق الرئيسية التي فيها المقاومة ليتركزوا في الشمال ويقيموا بعض القواعد في الصحراء. ويتركوا الأمن الداخلي بأيدي القوى العملية التي سينصبونها حكومة في يونيو (جوان) المقبل، ويبقى الأمريكيون كقوة احتلال، يتفرجون على المشهد العراقي الدموي الذي يمكن أن يحدث، وفق أمنياتهم وتخطيطهم، بهذا الشكل. أنا باعتقادي هذا ما يمكن أن تتوصل اليه أمريكا . لكن أعتقد جازما وفق كل هذا وغيره أن أمريكا لن تترك العراق بسهولة. ستحاول أن تحتفظ بمكاسب استراتيجية. الذي يمكن أن يجبر الولايات المتحدة على الانسحاب نهائيا من العراق، هو قوة المقاومة العراقية وشراستها.
ولذلك أعتقد أن الولايات المتحدة تراهن الآن على الخلافات الداخلية الداخلية. وهي تحاول أن تثير المشاكل بين الشيعة وبين السنة وبين الأكراد وبين التركمان... وبين المسيحيين وبين المسلمين... الولايات المتحدة تريد اشعال الفسيفساء الإثنية والعرقية في العراق، ادراكا منها بالفعل بالسياسية التي تحدث عنها بول وولفوويتز والتي هي سياسة بريطانية قديمة سياسة فرّق تسد. أما الذين يتحدثون عن الديمقراطية في العراق فأولى بهم أن يعودوا الى تجربة الجنرال مود عام 1917 الذي جاء على رأس القوات البريطانية ودخل إلى بغداد والذي تحدث أيضا عن أن قواته لم تأت غازية ومستعمرة وإنما جاءت كقوات محررة وأنه جاء ليحول بغداد إلى واحدة من عجائب الدنيا... فإذا به وبعد سنوات قليلة يحدث كل ما جدّ من حوادث قتل ومآسي ورفض لكل محاولات الاستقلال الوطني للعراق... المستعمر دائما يرفع شعارات مزيفة ومغايرة للواقع والهدف، هدف المستعمر هو ضمان المصالح عبر النفط والهدف هو الدولة الاسرائيلية الكبرى في المنطقة واعادة رسم خريطة المنطقة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.