صحيح انه «لكل الشعوب ماض ولكن ليس لكل الشعوب تاريخ»، وصحيح اننا كتونسيين، نعتزّ بتصنيفنا في خانة الشعوب التي لها تاريخ عريق ورموز محفورة في الذاكرة من يوغرطة وحنبعل مرورا بأسد بن الفرات وسحنون وابن خلدون وخير الدين وصولا الي الحداد وفرحات حشاد ورفاقه في الشهادة والحبيب بورقيبة ورفاقه البررة من الوطنيين... ولكن الأصح ان الانشداد المفرط الى التاريخ قد يتحوّل الى نوع من الماضوية المقيتة المعطلة لكل مبادرة والى «نوستالجيا» عجائزية مقطوعة الصلة بالحاضر فضلا عن استشراف المستقبل انه «داء» المجتمعات المصابة ب «التخمة التاريخية» التي توقفت لديها ملكة التفكير في «الآن» وفي «الغد» فالتجأت الى الماضي ورموزه بحثا عن راحة وهمية وأجوبة مسكّنة عن عجز لم تقدر على تجاوزه وعن عوائق صعب عليها تخطيها. لقد تزامن التحول الذي عاشته تونس في 7 نوفمبر 1987 مع بداية اشتغال محرّك جرافة العولمة وسحقها لكل «الدون كيشوتات» الواهمين بمحاربة طواحين الريح ولمن لم يفهم ان المطلوب اصبح فهم أبعاد هذا التحول العميق في العلاقات الدولية وفهم انعكاساته وتداعياته المحلية والاقليمية، الاقتصادية الاجتماعية، الفكرية السياسية، والسعي الى امتصاص آثار العولمة السلبية وتوظيف ايجابياتها لدفع التنمية المحلية. تلك هي الحلقة المركزية التي امسك بها الرئيس زين العابدين بن علي منذ ساعات التحول الاولى: تجاوز ازمة الثمانينات الناتجة، خاصة، عن حرب الخلافة وشلل المؤسسات ثم الانطلاق نحو المستقبل في زمن «العاصفة». لا تكفي النوايا الحسنة لتوفير نظرة صائبة للمستقبل، ولا يكفي تعديد ما ننتظره من الغد ومعرفة ماذا نريد وبأي شيء نحلم، بل يجب، خاصة معرفة ما يمكن ان نحققه وما هي قدراتنا وامكاناتنا وماذا ينتظرنا في كل المنعرجات والتخطيط الدقيق لكل خطوة نخطوها حتى نتجنب جاذبية الماضي وغواية التاريخ. عندما نعود الى بيان السابع من نوفمبر نجده خاليا من الزخارف الطوباوية والوعود المستحيلة وأحلام الساسة الرومانسيين، بل بلاغة في الايجاز ووضوح في الرؤية: استعداد لتحديات المستقبل انطلاقا من اعتزاز صادق بتاريخ تونس واستيعاب لمشاكل الراهن. كان المستقبل، ولايزال حجر الزاوية في مشروع الرئىس زين العابدين بن علي الهادف الى تحقيق تنمية شاملة متوازنة والانتقال بالمجتمع التونسي من مرحلة المراوحة بين التغني بأمجاد الماضي والتطلع الحذر الى المستقبل الى مرحلة الانخراط الكلي في منظومة عالم القرن الواحد والعشرين عن طريق تأسيس مجتمع المعرفة الديمقراطية وحقوق الانسان في شموليتها. في كل مناسبة وطنية (ذكرى السابع من نوفبر، عيد الجمهورية، عيد الاستقلال...) يتعهد الرئىس بن علي بجملة من الالتزامات المستقبلية ويدعو جميع التونسيين مهما كان موقعهم، الى تكثيف الجهد من اجل تحقيقها في اقصر مدة حتى ننتقل الى مرحلة جديدة وأهداف جديدة في طريق انجاز مشروعنا التنموي وتحقيق حلم الاجيال في الديمقراطية في كل أبعادها ولجميع التونسيين وليس «لمحترفي» السياسة فقط. صحيح ان المشروع الذي نطمح الى تحقيقه يبدو، احيانا، عسيرا في ظرفية عالمية صعبة وفي ظل تفشي افكار مكبلة ومحبطة عن طريق وسائل الاتصال الحديثة وعرّابي سياسة «السوق السوداء» لكن التجربة علّمتنا ان لا نتوقف ولا نلتجئ الى الماضي ونبقى، مهما كان الظرف، مشدودين الى المستقبل، ولأننا تقدميّون وطموحاتنا غير محدودة يعجز التاريخ عن استيعابها وجدنا ضالتنا في مشروع زين العابين بن علي المتطلع دوما الى المستقبل، ومعه يبقى سؤالنا الدائم: ماذا سنفعل؟ ويكفينا من سؤال: ماذا فعلنا؟ فلأنني تقدّمي، مسكون بالمستقبل سأختار الرئيس زين العابدين بن علي في انتخابات اكتوبر 2004 .