عدد المعوقين في مدينة قصر هلال يفوق السبعين وهو أكثر من ذلك بكثير اغلبهم منخرطون في جمعية المعوقين بسوسة باعتبارها تشمل ولايات الساحل سوسة والمنستير والمهدية شاركوا مؤخرا في مظاهرات الاحتجاج بمركز الولاية للتعبير عن مشاغلهم وتبليغ أصواتهم لمن يهمهم الأمر بعد أن وجدوا أنفسهم يعيشون الإهمال والتهميش في ظل جمعيات ربما تبحث عن الصورة الخارجية أكثر من المضمون الذي يفترض أن يقدم لهم دون سواهم نظرا لحساسية وضعياتهم الاجتماعية رفعوا شعارات طالبوا من خلالها بمحاسبة المسؤولين بالجمعية وبالتالي التثبت في مداخيلها المتأتية من الأنشطة الخيرية المنظمة لفائدتهم احتجوا على سوء المعاملة ونادوا بمراعاة ظروفهم الاجتماعية وتحسينها.. بعض هؤلاء المعوقين اتصلوا بنا وطلبوا منا تبليغ أصواتهم التي أخرستها الإعاقة. يقول محمد بوخامة الذي يعتبر أحسن حالا من زملائه لكونه يقدر على الحديث ولو بصعوبة ونيابة عمن حضر معه وهم زياد قاسم ونصر الدين الدنداني وفرج بوزويتة ومحمد صالح، هؤلاء هم عينة من المعوقين الذين لا يستطيعون التعبير عن حقيقة مشاكلهم لعجزهم عن النطق وأنا الوحيد من بينهم تقريبا الذي أستطيع أن أتكلم لذلك أريد أن تفهمني وتفهم حقيقة مشاكلنا وهي أكثر من أن تحصى وتعد والحقيقة أن ما نعيشه اليوم هو نتيجة لتراكمات عدة سنوات استغلها مسؤولو النظام البائد في الكذب والنفاق لتلميع صورهم وصورة حزبهم على حساب المعوقين فنحن فئة نعيش على الهامش ليس لنا في المدينة مقر يجمعنا.. نلتقي في الشارع وفي المقاهي تحت نظرات الازدراء التي نحس بها من قبل المحيطين بنا. نلتقي في منزل أحدنا أحيانا لنتحدث عما يشغلنا بعيدا عن أعين الفضوليين طلبنا سنة 1992 من خلال مراسلة بعثناها إلى وزارة الشؤون الاجتماعية تمتيعنا بمقر ننشط فيه على غرار ما يحصل مع بقية فئات المجتمع المدني فأحالونا بعد أن رحبوا بالفكرة على المسؤولين المحليين والجهويين فلم نلق منهم إلا النفور وكأننا لسنا من هذا الشعب وليس لنا الحق في ممارسة أي نشاط وها نحن بعد حوالي عشرين سنة ما زلنا ننتظر.. صحيح نحن لسنا أسوياء وأصواتنا مكتومة بالإعاقة لذلك لن يستطيعوا التعويل علينا للهتاف باسم رئيسهم المخلوع واستعمالنا كأبواق دعاية لبرامجهم المزيفة والمغلوطة.. حتى مدرسة المهن التي يدرس فيها زملائي تبدو بالنسبة إليهم كذبة كبرى فالمعوقون يدرسون بلا كتب ولا كراسات ولا أقلام لا يتعلمون شيئا ومع ذلك يحصلون في النهاية على شهائد هي عبارة عن ديبلومات لا يستطيعون استغلالها في أي نشاط مهما كان نوعه.. استغلال في غير محله وهنا سألت محدثي عما يفعلونه إذن في المدرسة ؟ وكان هذا السؤال بمثابة الأكسجين الذي أجج النار المشتعلة في قلوب بقية المعوقين الذين كانوا يتابعون باهتمام كبير ما كان يدور بيني وبين صديقهم إذ سرعان ما تحركت أيديهم في الفضاء وانبرت إشاراتهم تعبر عما عجزت ألسنتهم عن التعبير عنه قالوا وقد فهمت ما أرادوا قوله إنهم كانوا يستغلون في تنظيف القاعات والمكاتب وحتى سيارات المسؤولين بالإضافة إلى القيام بأشغال البناء و.. صعقت لما فهمت وعدت الى محدثي محمد أساله إن كان وهو ومن معه قد بلغوا تشكياتهم مما يحصل لهم إلى السلط المحلية فقال عن أي سلط تتحدث ؟ لقد ذهبنا إليهم مرارا وتكرارا ولم نجد تجاوبا منهم.. المسؤولون ليس لهم الوقت لسماعنا أو بالأحرى لفهم إشاراتنا لذلك يطلبون منا العودة في وقت آخر وكلما ذهبنا إليهم عجزوا عن فهمنا وأعادوا علينا نفس الاسطوانة لذلك مللناهم وأوكلنا امرنا إلى الله سبحانه وتعالى.. كلمات قالها محمد وقد فاضت عيناه دموعا بعد أن أحس باليأس والقهر يدبان إلى قلبه المفعم بالمحبة.. نعم محبة خالصة لمسناها لديه وهو يتحدث عن زملائه بكل حماس وكأنهم جزء منه وتحت وصايته كان يتحدث عنهم حديث الأخ عن أخيه وربما أكثر كيف لا ؟ وقد كان يصطحب معه صديقين معوقين واحد من سوسة يدعى مراد رجب ولديه ستة إخوة لهم نفس الإعاقة وآخر من بنبلة واسمه حسام عبد الله.. محمد سألته عن مطالب زملائه بالإضافة إلى المقر والمدرسة والجمعية فقال بعد أن تحدث إليهم بالإشارات الذين يعملون بعضهم غير مرسم ولا يتمتع بالتغطية الاجتماعية وحتى مرتباتهم لا تفي بالحاجة لذلك هم ينشدون الترسيم والترفيع في أجورهم والذين يشكون البطالة يريدون عملا فهم يعتبرون أن لهم الحق في الزواج وبناء اسر كبقية خلق الله.. البعض في حاجة إلى سماعات طبية باهظة الثمن ولما يجدون المساعدة .. وعن نفسه أضاف محمد بالنسبة لي واعتبارا لإعاقتي الطفيفة فقد درست وحصلت على ديبلوم في صناعة الجلد ولما أردت الحصول على آلة تساعدني على العمل أمدوني بواحدة تصلح لخياطة القماش أعلمت المسؤولين أن اختصاصي خياطة الجلد وطلبت منهم تغييرها فرفضوا.. قصدت جمعية بسمة على أمل الحصول على سماعات تمكنني من التواصل بسهولة مع الناس فطردوني وطلبوا مني شراءها من مالي الخاص.. - وهنا تذكرت جمعية بسمة وما كانت تحظى به من دعاية مبالغ فيها هدفها تلميع صورة صاحبتها ليلى زوجة المخلوع التي كانت تبيح لنفسها سرقة الأموال التي تمنحها إياها الجمعيات العالمية التي تعنى بمساعدة المعوقين وكذلك الأموال التي يتبرع بها الخيّرون.. أموال استكثرتها على فئة تستحق عناية خاصة واهتماما بالغا ومساعدة غير مشروطة وهو ما يجعلنا نتمنى من المسؤولين الحاليين الجلوس إلى المعوقين في قصر هلال وغيرها من المدن والإنصات إلى مشاغلهم بما يجعلهم يحسون بأنهم من الشعب واليه .. ..