في ظرف أيام معدودة تمّ تدويل قضيتين عربيتين: الأولى هي الأغرب على الاطلاق وهي تخصّ لبنان ومسألة التمديد لرئيسه. والثانية وهي الأخطر تهمّ السودان وما يحدث في دارفور. وقبلها دوّلت قضية العراق ثم انتهت إلى كارثة ليس على العراق وحده بل على كلّ العالم العربي. ولسائل أن يسأل هل إن هذا التدويل لقضايانا العربية يعود إلى سوء تصرفنا في أوضاعنا، أم إلى حشر الدول العظمى لأنوفها في أوضاعنا الداخلية؟ بالتأكيد نحن نمتلك نصيبا من هذا الذي يحصل لنا. فأمام استقالة العالم العربي كلّه من قضاياه على الرغم من خطورتها، وأمام انعدام الثقة بين بلدانه، وأمام هذا الانكماش القطري الاقليمي الرهيب، كان لابدّ للأمور أن تتطوّر في اتجاه مشين بحيث فقد العالم العربي ككتلة سيادته، وعندما تفتقد منطقة ما لسيادتها يكون بديل السيادة هو الوصاية الخارجية وتدخل الآخر في ما يعنيه وما لا يعنيه. ويجب الاقرار بأن هذا التدخل كانت له مقدمات مبكرة، وان الآخرين ما كانوا ليجرؤوا على هذه المنطقة ويستبيحونها لولا أنهم وجدوا أنها مستقيلة تماما من قضاياها، وأن وعيها بالسياسة مازال طفوليا وقبليا وعشائريا، بل الأدهى أنها تبحث عن قوة خارجية تعتقد أنها ستأتي لتحل لها مشاكلها تبرعا ومجانا، وأنها (القوة) جمعية خيرية، وليس دابة تبحث عن المصالح وعن التمكّن من تلك المصالح على حساب أصحاب الدعوة ورغم أنف المضيّف. والحقيقة ان العالم العربي قد استطاب التدخلات الخارجية، بعد ان جرّبها مع العراق الذي دمّروه وأنهكوه وتآمروا عليه في السرّ والعلن، ثم اصطنعوا البكاء عليه وهم لا يبالون في الحقيقة لا به كعراق، ولا بهذه الكتلة الممتدة من المحيط إلى الخليج والتي تسمّى العالم العربي. وعندما استطاب العرب لعبة النار مع الآخر سلّموا له الأمور نهائيا، فالقضية الفلسطينية في عهدة الآخر، والعراق محتل من الآخر. والسودان قضية على عاتق الآخر، والصحراء الغربية مسألة دولية، إلى أن انتهى الأمر بهذا الآخر إلى حدّ اصدار قرار دولي يهمّ علاقات شراكة بين بلدين عربيين هما سوريا ولبنان ويمنع تلك العلاقات من أن تتطور بتعلاّت تضحك على الذقون والعقول معا. ولو عدنا إلى المسألة السودانية على سبيل المثال، لوجدنا انه لولا الدعم القديم لأنظمة ودول عربية لحركات الانفصال فيه بدعوى «تقدميتها» مقابل «رجعية» النظام، لما آل مآل السودان إلى هذه الصورة الممزقة التي نرى الآن، وإلى هذا الحريق المشتعل فيه منذ سنوات. ولو راجعنا تاريخ تعامل الأنظمة العربية مع القضية الفلسطينية لشاهدنا أن الصهاينة لم يستغلوا في الأخير إلا تنظيرات فاسدة، ومناورات مريعة لهذه الأنظمة ضد القضية المذكورة ورموزها. ولو تأملنا ما حدث في العراق وخصوصا لو اطلعنا على مذكرات المسؤولين الأمريكيين السياسيين والعسكريين منهم، لوجدنا ما يجعل الواحد يخجل من نفسه بل ويتبرأ من أمته. وغير هذا كثير وكثير فلكأن تاريخنا كلّه هو محطات متواصلة من الدّس، والخداع، والتآمر، واللاّمسؤولية، ثمّ العبث بمصائر الشعوب، والتلاعب بها! ولا أعتقد البتّة أنه لا توجد أياد عربية وراء تدويل ما يمكن أن يسمّى الآن بالمسألة السورية اللبنانية، فكلّ مرة وعلى حين غرة يعمد الاعلام في بعض الدول المجاورة للهجوم على سوريا وعلى علاقاتها مع لبنان، وليس بالصدفة على سبيل المثال أن يكون للبطريرك صفيّر ذلك الموقف المحرض وان يزوره مسؤول عربي برتبة وزير ليخرج من عنده بتصريح يقول فيه بأن هذا الرجل مدرسة! ومتى؟ يوم نظر مجلس الأمن في بدعة لا سابقة لها، وتجرأ في حادثة هي أغرب من الغرابة ذاتها. إن العالم العربي هو الذي يدمّر نفسه بنفسه، وهو الذي يحرّض الآخرين، وهو الذي يسلّم تلقائيا مفاتيح استقلاله للطامعين، وهو الذي يبحث عن الوصاية الخارجية ثم يتباكى بعدها عن سيادته. لذلك ليس غريبا أن تدوّل كلّ القضايا العربية، وأن يصبح القرار الخاص بها على ملكية دول بعينها حتى وإن اتّخذ شكل القرار الدولي بحثا عن شرعية قانونية!