محمد المحسن (الإدارة الجهوية للتعليم تطاوين)«قتلتنا الردّة.. والواحد منّا يحمل في الداخل ضدّه».. منذ زمن بعيد وأنا أقلّب ما تطاله يدي من صحف عربية ودوريات في بحث محموم عن سبب الغضب الذي يسم حياتنا السياسية والثقافية. هذا الغضب الذي ترتج له المنابر، وترجع صداه المهرجانات واللقاءات، وصفحات الصحف «المهاجرة».. والسؤال اللجوج الذي ما فتئ ينهشني: لماذا يغضب الجميع، إلى هذا الحدّ؟ كيف يغضب الجميع عبر هذه السنوات الطوال: منذ ما قبل «النكسة» الى ما بعد الانحطاط الأخير؟ ألا يتعب هؤلاء الغاضبون من الغضب، وأولئك الناقمون من النقمة والتشكّي؟ من يطلع على المقالات الساخطة، المراثي الجارحة والخطابات الطاحنة.. من تستسلم أذناه لسمفونيا الصراخ التي تلفّ صفحاتنا، لا يسعه إلا أن يتصور أن «الزلزال» قادم لا محالة، غدا أو قبيل سقوط مدينة عربية أخرى بقليل.. صراخ دائم.. وعويل جارح دون أن تتحرك قشة من مكانها في جحيم الواقع.. دون أن يتغير شيء بسيط من الأوضاع المبكية التي أفرزت اليأس، الاحتجاج والإحباط! ولكن.. مازال الجميع ساخطا! أليس هناك من هو راض بالأمر الواقع؟ أليس هناك صوت واحد متصالح مع السائد من قريب أو بعيد، يرى فيه ومضة أمل؟ وإذن؟ لماذا إذا لا تأتي العاصفة؟ لا بدّ أن خللا يعترض هذا الغضب. شيء من الزيف أو الاصطناع ربما، شيء من الشعوذة والعويل في الصحراء. قدرة ما على التخدير بل التحريض، على اعتناق البديهي واصطياد الاجماع، بدل القفز في النار، والمجازفة في ملامسة الجرح الحقيقي. لا بدّ أننا في كرنفال أو مهزلة: نرتدي كالفرسان الأشاوس ملابسنا التنكرية، نستلّ أقلامنا الكرتون، ونخبئ في حناجرنا أشرطة مسجلة خلال معارك وحروب بائدة. ممّن يغضب الكاتب «الجسور» الذي يتحدث عن «ايديولوجيات تباع وتشترى في سوق الملابس المستعملة، ويشكو من «وزارات حرب لا تحارب، ووزارات تخطيط لا تخطط. ووزارات عمل لا تعمل. ووزارات تموين ليس لديها بقايا رغيف»؟! ألا ترون معي أن الغضب هو آخر موضة؟ وأن كثرة الكلام الغاضب، كقرقعة العظام في وعاء فارغ، تغطي على الصراع بدل أن تفضحه أو تعريه؟ ضد من يغضب الغاضبون، وهم يشكون، وفي أي اتجاه يسددون أصابع الاتهام، كي نسترشد ونستهوي؟ ضدّ ماذا يثورون، وهم في أغلبهم أول المستفيدين من الوضع السائد، كل يتكلم عن الغير، وهو لا يعرف أن كلامه يرتدّ ضده بسرعة البرق. كأن «الغضب» الفولكلوري ليس أكثر من وظيفة، أو معيار للوجاهة والشرعية والأهمية. خطاب رسمي خارجي يخفي عالما آخر لا علاقة له به، إلا كعلاقة النقيض بنقيضه. مزايدة على الآخرين قصد افحامهم واستباقهم، الى بلوغ المجد ودخول التاريخ! فكأن كل كاتب أو مثقف.. شخصان في شخص واحد، يكتب الشيء ثم يفعل (أو حتى يكتب!) نقيضه. فمن بإمكانه أن يتابع ما يجري، ويفهم شيئا وسط هذا الصخب؟ لا من يحاسب أو يتذكر أو ينظر حوله ليرى. ليس هناك للتعبير عن المشهد أصوب من كلمة «قعقعة» التي نسمعها بوضوح دون أن نرى طبخنا! فهل تعرفون أن هذه «القعقعة» هي أهم ما أنتجه واقعنا العربي المترجرج؟ وهل لديّ ما أضيف؟ قطعا.. لا.. مخافة أن يتملكني «الغضب» وأفقد الصواب.. بيت شعري للشاعر العراقي مظفر النواب