تحاسب الشعوب أنظمتها إذا ما كانت قادرة على انجاز شيء ولم تنجزه، أما إهمالا، أو سوء تصرّف، أو انعدام تخطيط. أما إذا كان العزم موجودا، والأماني مشتركة، لكن الامكانيات محدودة، والموارد شحيحة، والواقع شديد الوطأة، فإن التبرّم عليه أن لا يغلب العقل! فالصّلة بين الشعوب وأنظمتها تكون وقتها خاضعة للمزاج، مخنوقة تحت هوى النفس، عرضة للمزايدات! لهذا السّبب يرجو الواحد منّا، أن تكون برامج المعارضة منطلقة من هذه الحقيقة حتى نلمح وقتها الفروقات بينها، وبين الحزب الحاكم، بعيدا عن الضجيج، وفي منآى عن اللّغط. إذ لا يكفي تشخيص واقع، ووصف ما هو معلوم حتى يظن أي طرف أن الحجة معه، وان الحقيقة ملكه، وبالتالي فإنه الأولى بمصير الناس، وأحلام الشعب. وعندما نقرأ على سبيل المثال أن عدد الطلبة في تونس سوف يصل السنة القادمة إلى حوالي 500 ألف طالب. فإن هذه الحقيقة بقدر ما تفرح تخيف أيضا. تفرح لكل هذا العدد الذي يدل على نجاح باهر للسياسات التعليمية في بلادنا، وتخيف لأن ذات العدد سوف يضغط على ميزانية الدولة، وسوف يحتاج إلى موارد تمويل جديدة، وسوف ينتج مشاكل على مستوى المنح، والايواء، ثم وهذا الأهم الضغط على سوق الشغل من شريحة تمّ إعدادها ثقافيا لأن تكون نخبة مجتمع، وتربويا من إطاراته. وليس هذا إلا مجرّد مثال من ضمن أمثلة كثيرة أخرى تطرح على كل التونسيين كل التحديات وتضعهم بالضرورة أمام مسؤوليات جمّة. ولأن الأمر أثقل من كلّ ما يتصور، ولأن الواحد منّا على قناعة ثابتة بأن التونسيين كلّهم يريدون لبلدهم كلّ الخير، فإن الحقيقة الثابتة التي تظل بلادنا تحتاجها هي ضرورة عمل الجميع على دعم استقرار البلاد، وعلى البحث المتواصل عن كلّ ما يمكن أن يجمع ولا يفرّق، وعلى اليقين بأن الوفاق الوطني هو أقوم السّبل. فإن شعار «معا من أجل تونس» ليس مقولة مرحلية قد تنهيها أوضاع، أو تمحيها خلافات، وإنما هي حقيقة سرمدية متواصلة في كل الأزمان.