في مصر، تطبع جريدة حزب الوفد المعارض يوميا 700 ألف نسخة، وهي بهذا الرقم اليومية الأولى هناك، على الرغم من عراقة،وحرفية المنافسين! وهي بذلك لا تحتاج، لا إلى رمي البقية بالتهم، ولا الى استجداء عطفهم حتى يتكرّموا على الحزب بنشر أخباره، أو التعريف به، أو حتى تبنّي خطابه وإلا فَهُمْ لا يقومون بدورهم، كما يزعم كلّ من احتاج وسيلة اعلامية يروّج من خلالها لمصالحه وتنظيراته، بدون أن يلاحظ أن الاعلام بطبعه متنوّع ومختلف. فهناك الاعلام الرّسمي وهناك الاعلام الخاص، وهناك الإعلام الحزبي. كما يوجد اليومي والأسبوعي والدوري والمختصّ، وصنوف أخرى كثيرة قد لا تجمع بينها إلا التسمية. والمتأمل في المشهد الاعلامي عندنا، يلمح جميع هذه الأصناف، وأولها الصّحف التي تقول ما تشاء وتكتب ما تريد حول مختلف الأوضاع في تونس، ففي السوق يتوفّر للقارئ الاطلاع على صحيفتين اختارتا هذا التوجه ومضيتا فيه. وهذا أمر طبيعي جدا. ولا غرابة فيه! لكن من الطبيعي وقتها، أن تختار كل وسيلة اعلامية أخرى توجّهها وأن توظفه صوب ما تعتقده مصلحة، سواء خصّت تلك المصلحة الوسيلة المذكورة ومدى انتشارها، أو هي خصّت ما تراه وتعتقد أنه مصلحة عامّة. فكلّ مسؤول على ما يكتب وما يتبنّى. أما أن تعوّض كل وسائل الإعلام دور الإعلام الحزبي الرسمي أو المعارض منه، فإنّ في هذا الطلب كثيرا من الشطط، وتحميل الأطراف مسؤولية ليست لها. بل لعلها مسؤولية فشل فيها من كان عليه أن يتحمّلها بالنتيجة والضرورات! لذ لك عندما تتحدّث الأحزاب عندنا عن الاعلام، فالأولى بها أن لا تعمّم، والأجدر أن تتحدّث عن صحافة الأحزاب، أي عن صحافتها هي. فما نعلمه أنها تتمتع بالدعم، وإلا، فالفيصل بالضرورة هي السوق والقارئ. فمن حقّ الرأي العام أن يتساءل عن حقيقة عدم اصدار كلّ الأحزاب لصحفها لتعبّر من خلاله عن كلّ ما تريد، ولتثري به المشهد عوض أن توكل هذا الدور للآخرين. أو أن تصيح بأن حال الاعلام ليس على أحسن ما يرام! هذا بالاضافة طبعا، الى بديهة أن الاعلام في جزء منه، هو دلالة على المجتمع وما يحدث فيه، وعلى مكوّناته وما تصنعه من أحداث. فهل إذا كانت هذه المكوّنات قد عسر عليها الفعل، أصبح لزاما على الاعلام أن ينجدها أو يعوّض دورها؟ فإن لم يفعل أصبح متّهما ووُصم بالتقصير! هذا في الحقيقة تضييق لواسع، واستسهال لأشياء، ومواصلة لخلط غير واضح بين السياسة والاعلام، وهما يتقاطعان بلا شكّ ويلتقيان رغما عنهما، لكن ليس بالصورة المبالغ فيها في عدّة أذهان. وليس بالشكل الذي يطرح أمامه أدوارا ليست من اختصاصه، ثمّ القرع على كل ذلك بشكل يبحث عن خلق عقدة ضمير لدى الاعلام والاعلاميين، لعلّ أطرافا أخرى تقتات من تلك العقدة وتتسرّب من خلالها، وبشكل يصرّ أن يظلّ الاعلام متهما حتى وإن كانت بعض مكوّناته تجتهد كل يوم للقيام بواجبها! وإذا لم يتغيّر الاعلام، فلأن البقية لم يتغيّروا.