في كلّ مرّة تقصف فيها الطائرات الامريكية مدينة الفلوجة، يتّضح ان الموتى من المدنيين العزل، من اطفال ونساء وشيوخ وليسوا من جماعات أبو مصعب الزرقاوي كما تدّعي! والقوات الامريكية تقدم على هذا الاجرام كعقاب لسكان المدينة، وترويعهم، قصد اجبارهم على التعامل معها، وقصد فك الارتباط بينهم وبين المقاومة حتى على مستوى دعمهم المعنوي لها. والزعم بأنها تقصف جماعات الزرقاوي، يدخل في باب الخداع لا اكثر ولا أقل، وينطلق من احساس بالانتقام من كل مَن لا يعين القوّات الامريكية ولا يرشدها ولا يتعامل معها. وهو ما مارسته القوات الامريكية في كل حروبها خصوصا في فيتنام التي اقدمت فيها على جرائم ضد الانسانية لا تخطر على بال ولا يتصوّرها عقل لما فيها من وحشية، وما فيها من استهتار بالذات البشرية التي لم تحترمها يوما ولم تأبه لها لحظة. وتاريخ الجيش الامريكي لم يكن ابدا تاريخ حروب بل تاريخ اجرام، وفي كل حرب تشنّها امريكا يشعر شعبها بعدها بعقدة اخلاقية وليس عقدة هزيمة. خصوصا بعد ان يبرز عمل جيشها وتظهر حقائقه المخجلة، وقطيعته التامة مع كل تحضّر وكل مدنية. إن الشعب الامريكي يصطدم دوما بالحضيض الذي تصل اليه قوّاته المسلحة ويكتشف فيه بربريّة لا يظنّها موجودة الا عند شعوب العالم الثالث، ويرى فيه سلوكا لم تمارسه الا جيوش الامبراطوريات القديمة في تاريخها الاغر القديم. لكن هذا الشعب لم يكتشف ابدا اسباب هذا الذي فعلته وتفعله قوّاته، ربّما لانهماكه المتواصل في العمل وتوفير أسباب العيش، بحيث لا ينهمك في التفكير وتحليل ما يجعل جيشه على صورة لا تشرّف احدا ولا يزهو بها احد. وليلة اعتداء الجيش الامريكي الاخير على أهالي الفلوجة التي اصبحت بدورها تعجّ بالمقابر الجماعية، بثّت احدى القنوات التلفزية برنامجا حول حياة هنري كيسنجر لا يشعر كل من تابعه الا بالقرف والتقزّز من السياسة الامريكية ومن العسكرية الامريكية، فقد كشف البرنامج أسرارا تصدم كل من يحتوي على ذرّة انسانية، لما تخلّله من جرائم في آسيا وفي امريكا اللاتينية، ومن حقائق مصوّرة حول حرب امريكا في فيتنام ومن ابادة لشعب كان يصل عدد ضحاياه في اليوم الواحد 10 آلاف ضحية. ورغم كل ذلك تحدّث وزير الدفاع الاسبق ألكسندر هايغ في البرنامج المذكور بمنطق من تجرّد اصلا من انسانيته، حتى أنك تتسائل من أي زمن ومن أي ثقافة خرج هذا الرجل، وهو يقول انه لو كان وقتها وزيرا للدفاع لحسم امر الحرب في 6 أشهر. قطعا ليس هذا بغريب على اول دولة تستعمل السلاح الذري لتبيد به عشرات الالاف من المدنيين، ثم يصدّق العالم انه لو اتّبعها فإنها سوف تحمله الى المدنية والتحضّر والرخاء، وسوف تدرّبه على الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان.