لمدّة يومين كاملين، مثلّت الندة التي عقدها لتجمع الدستوري الديمقراطي يومي السبت والأحد الماضيين، الحاضن الأساسي لتبادل الأفكار والهواجس، والتخوفاتوالتصورات بين مسؤولين في أحزاب سياسية ومفكرين من ضفتي المتوسط. فتونسياهي ندوة احتفالية بمناسبة الذكرى السادسة عشرة لتغيير السابع من نوفمبر، وأورو متوسطيا هي ندوة تسبق في التوقيت موعدا هاما من المواعيد المشتركة بين ضفتي المتوسط، على مستوى القمة : إنها القمة 5 + 5 التي أسسها مسار برشلونة سنة 1995 وعرفت تعثرات، قد لا يكون المشاركون في الندوة قد أتوا على تفاصيلها، نظرا الى عقلية التجاوز والبناء التي ميزت المداخلات والنقاشات طوال ندوة : «الفضاء الأورو متوسطي وتوسّع الاتحاد الأوروبي : التحديات والفرص». لقد كان مستوى النقاشات للمحاورالمكونة للجنة يحدوه الكثيرمن التبصّر على المستوى السياسي، والكثير من الحيوية على المستوى الفكري والكثير من الصراحة في مستوى كشف ما يختلج في صدر هذا وذاك، مغاربيا كان أم أوروبيا. وبعيدا عن الجوانب التقنية وبقطع النظر على الواقع الديبلوماسي العلاقاتي بين المنظومتين، الأوروبية والمتوسطية، فإن السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه الآن على هذا الفضاء، يهمّ الملف الحضاري أساسا : إذ يقول إلى أي حدّ يمثل العنصر الحضاري الثقافي عاملا مقرّبا بل مسهلا لنمط جديد من العلاقات بين منطقة جنوب المتوسط والاتحاد الأوروبي؟ ثم نواصل السؤال لنغوص أكثر في الباطن الفكري لهذه المسألة فنقول : هل هناك توافق في النوايا بين الطرفين وفي الدوافع التي تؤسّس لبناء فضاء جديد يرجو أبناء الجنوب أن يكون مؤسساتيا على غرار تجمّعات مؤسساتية أخرى أكدت نجاحها رغم تفاوت مستوى الشركاء لم يكن الفكر والتفكير اللذين سادا النقاشات وتبادل الأفكار، طوال الندوة المذكورة، رتيبا أو نمطيا، فقد رافقت بعض الهواجس السياسية وبعض التساؤلات الأمنية والسياسية والتجارية، هواجس حضارية، كانت تطفو وتتوارى بحسب مرتبة المتحدث من الحكم وممارسة السلطة. وهذا أمر مشروع، على اعتبار أن نظرة الوزير الأول الفرنسي الأسبق «آلان جوبي» لا يمكن أن توازيها من حيث حرية النقد وحرية الوعد نظرة الوزير الأول المالطي بحكم وجود الأول خارج السلطة والثاني يمارسها الآن. لكن رغم هذا يبقى التساؤل عن الملف الحضاري جائزا. فبجرد بسيط لمستوى العلاقة بين جنوب المتوسط والاتحاد الأوروبي، وبرصد بسيط لفحوى الاتفاقات بين المنظومتين، ولا أقول المؤسستين، فإننا نقف على رقم هزيل في كيفية المبادلات وحجمها يشوبه الاختلال لغير صالح الضفة الجنوبية، وعلى واقع حواري انساني أشدّ تواضعا من الملف الأول. من جهة أخرى، وبالتزامن مع عملية التوسيع التي يعرفها الاتحاد الأوروبي، والتي ستصبح قريبا مؤسسة اتحادية تضمّ 25 عضوا، تقترح اللجنة الأوروبية مدوّنة «سياسة الجوار» على الفضاء الجنوبي للمتوسط. وهنا لا بدّ من التأكيد على أن أوروبا الاتحاد التي استطاعت أن تستوعب تداعيات سقوط حائط برلين وانهيار المنظومة الشيوعية بأن فتحت عينيها على أوروبا الشرقية فاحتضنتها حضاريا والآن تكمل احتضانها مؤسساتيا فإنها لم تعتن ولم تفكر في أن تتوج علاقة تاريخية وجغرافية استراتيجية، بينها وبين بلدان جنوب المتوسط. لماذا؟ بالتأكيد هناك دوافع لفعل ذاك والتغاضي عن فعل هذا، وهذه الدوافع فيها الذاتي الأوروبي وفيها الموضوعي الخارجي. إذ لا يخفى على أحد البصمة الأمريكية في موضوع توسعة الاتحاد الأوروبي كما بصمتها في توسيع حلف شمال الأطلسي. بالتأكيد أيضا أن في هذا المسار (مسار التوسعة نحو شرقي أوروبا) وذاك (استيعاب جنوب المتوسط مؤسساتيا من قبل الاتحاد) توجد نظرة متقاطعة مع الملف الأمني والملف التجاري التقني لكنها بالتأكيد لا تحمل في طياتها بذور الحوار الحضاري، الذي يعدّ في نظر الحالمين مثلنا من حملة «الرسالات» الحضارية والانسانية، مرتكزا أساسيا لأية علاقة، مؤسساتية كانت أم تغلفها الاتفاقيات. صحيح أن التجمعين الأوروبي والمتوسطي، بهما تداخل جغرافي وحضاري، لكن هذين العاملين اللذين من شأنهما أن يقوّيا نهج شراكة حقيقية توقفا عند حدود الضفة الشمالية للمتوسط، فإذا بفرنسا وايطاليا واسبانيا مثلا، تتصرّف كبلدان أوروبية في أول استحقاق يمكن أن يفرض نفسه بحكم المتغيرات العالمية والاقليمية، عوض أن تتصرف كبلدان متوسطية. من ذلك ان نظرة بسيطة او لنقل نظرة سطحيّة، للاحداث والتداعيات، للتحديات، وللفرص المتاحة، تنبئ أن هذه البلدان قد تكون اختارت وفوّضت المؤسسة (الاتحاد الاوروبي) على العلاقة العشوائية مهما كانت حميمية وبها مصالح استراتيجية، وروابط حضارية. وهذا استنتاج جائز، لو أن المتسبب في غياب البعد المؤسساتي والحاضنة المؤسساتية، هي بلدان الجنوب، أو البلدان العربية ان نحن أردنا ان نتحدث عن حوار عربي اوروبي. لكن التعمّق في المشهد وفي المسار، يلمس ان المسؤولية شمالية، وهي مسؤولية قوامها الاقصاء تارة، والإملاء طورا وترك الحبل على الغارب لأطوار أخرى. صحيح أن بلدان جنوب المتوسط العربية، لم تتقدّم قيد أنملة باتجاه التوحّد وتوحيد المواقف، لكن بلدان الشمال الاكثر نموّا، والماسكة بدواليب التجارة والاقتصاد العالميين والحائزة على مقعدين في مجلس الامن الدولي، لم تبد جماعة ولا فرادى النيّة لتأسيس فضاء قانوني مثل تجمع (NAFTA) أي منطقة التبادل الحر شمالي امريكا القارّة، والتي مكّنتها الرؤية البراغماتية الامريكية من أن تعتني بالمستقبل بتفاصيله لا بالمستقبل في شعاراته، لذلك نجد داخل هذا التجمع جنبا الى جنب الولاياتالمتحدةالامريكية والمكسيك! لقد كان ممكنا اثراء الروابط الجغرافية بالمحطات الحضارية ذات الطابع الجدلي، التي ربطت ولا تزال بين ضفّتي المتوسط وتحديدا وبأكثر شمولية، بين اوروبا والبلدان العربية المتوسطية فقط او بشكل شامل. إن الخوف كل الخوف، من أن تكون الحلول المقترحة والمبادرات التي تطفو على السطح مثل اتفاقية الجوار، التي تضع أربعة شروط، نعتقد عند تمحيصها انها شروط للاندماج وليس للاختبار، الخوف أن تكون حلول أخذ فيها بعين الاعتبار مصالح طرف دون آخر في المعادلة. إن الفضاء المشترك مفتوح، والتوقيت ليس متأخرا، حتى يصوغ أولي الامر في الضفتين مؤسسة شراكة تقوم على المصالح المتبادلة، لا على التهميش ورمي الفتات. إن الدعوة الملحّة التي رفعها ابناء الضفة الجنوبية في الندوة، سواء عبر المداخلة او التعقيب، من أجل التثاقف والفهم الحضاري المتبادل، هي حلقة ضمن سلسلة من حلقات النقاش والحوار التي لابد أن تقنّن لتصبح رافدا لأي استنباط لنمط العلاقة. بقي ان اهميّة الجدل الفكري الثري سواء بين الحاضرين في الندوة او خارج اطار ندوة التجمّع السادسة عشرة، تكمن في مدى اطلاع شعوب الضفتين على هكذا مداولات ونقاشات وحوارات. وعندما نتثبت من نصيب مثل هذه النقاشات وتطارح الافكار الذي برز في جرأة غير مسبوقة وصراحة ملفتة، في المشهد الاعلامي الاوروبي، يمكن ان نحكم على نمط الحوار، إن كان حوار التثاقف ام حوار الطرشان. وابتعادا عن بوتقة شمّاعة المؤامرة التي يمكن ان ينظر الى هذه الفكرة من خلالها، تبقى المسؤولية جسيمة على أبناء جنوب المتوسط في حالة التشتت التي يعيشون.