ينتابني إحساس اليوم بأنه يكفي من الاذاعة... لكن.. لقب «جغام» كان مصدر ازعاج للسلطة قبل الثورة! الحراك السياسي في تونس اليوم تشمئز منه النفوس أتمنى على تونس تجاوز واقعها الحالي أحد القامات الشامخة في مسيرة الاذاعة التونسية التي تحتفل خلال الايام القليلة القادمة بذكرى التأسيس... إذاعي فصيح... وهب مسيرته للثقافة الجادة التي تنتصر للحياة الكريمة في أجل وأبهى مظاهرها. لا مكان... ولا حضور في كل برامجه للسهولة والابتذال والاسفاف... مضمونا واختيارات غنائية.. عاشق للطرب الاصيل ومدافع شرس عن ذائقة فنية ترنو الى معانقة الشمس.. باحث جيّد في كل برامجه الثقافية عن الجديد المفيد... الثري بالمعرفة والمثقل بالرأي الذي يبني ولا يهدم... انها ثقافة الفكر النيّر الحر.. هو الحبيب جغام الذي حافظ على خارطة الطريق الثقافية التي خطها لنفسه منذ 37 سنة.. لم يحد عنها حتى وهو في أقسى حالات الاحباط. واليوم يعيش الحبيب جغام نوعا من الارتياح وقد أنصفته التلفزة التونسية بعد 17 سنة. في هذا الحوار الكثير من التفاصيل. * تحتفل في أكتوبر القادم الاذاعة التونسية بالذكرى 80 لتأسيسها... كيف تنتظر الى هذه المسيرة؟ ما يمكن القول في هذا الشأن أنني قضيت من هذه الفترة 37 سنة بين إذاعتي المنستير والاذاعة الوطنية. * بماذا تحتفظ ذاكرتك اليوم بعد هذه السنوات؟ عديدة هي الاشياء الجميلة التي احتفظ بها وعديدة ايضا الاشياء المؤلمة. * لنبدأ بالجميل من الذكريات؟ أنني مارست المهنة والهواية التي أحببتها منذ الصغر وهو العمل الاذاعي على اعتبار نشأتي وسط عائلة مولعة بالاستماع الى الاذاعات وهو ما شحذ رغبتي في تحقيق أحلام ممتعة ولذيذة. ومن خلال الاذاعة اكتشفت جانبا مضيئا من جمال الحياة وجانبا آخر تكشفت لي فيه معالم البؤس. * وماذا عن المؤلم من الذكريات؟ إذا تلتزم بنوع من النزاهة في علاقاتك بالناس وإذا أكدت على العمل بصدق دون تزلف أو محاباة أو مجاملات أو مزايدات أو بيع وشراء او عمليات تحت الطاولة فإنك لا تستطيع ان تلحق بركب التيارات الجارفة فضلا على عدم قدرتك على التلون والتمسح على أعتاب الآخرين. * «رحلة الايام»... برنامج تلفزيوني حواري.. انتظرنا 17 سنة حتى يتم نفض الغبار عنه... لماذا هذا التغييب؟ فعلا كنت بدأت منذ سنوات مضت تجربة الحوارات التلفزيونية من خلال «حوار تنقصه المجاملات» وقد حققت هذه الحوارات نجاحا هاما على اعتبار خصوصيتها وأنها أثرت الخزينة برصيد معتبر وهام ومتفرد. وعند تعيين مدير عام جديد للتلفزة التونسية ورغبته في إعداد شبكة برامج جديدة اقترح عليّ العودة الى برنامج «حوار تنقصه المجاملة» مع مخرج جديد حيث كان مخرج البرنامج الراحل نورالدين شوشان فأعددت «رحلة الأيام» مع المخرج الحبيب الجمني وأنجزت 5 حلقات مع الروائي حنا مينة والرسام الزبير التركي والشاعر الشاذلي زوكار واللاعب محسن حباشة والفنانة زهيرة سالم وهي حلقات لم تكلف مليما واحدا ميزانية التلفزة الوطنية غير ان الرياح جرت بما لا تشتهي السفن بعد اتخاذ قرار من فوق لعدم بث هذه الحلقات لأن القصر في حالة غضب. * ما المقصود بقرار من فوق؟ جهات مسؤولة في الدولة. * هل تم إعلامك بهذا القرار؟ لم يقع اعلامي بصورة واضحة لكن عمل مصطفى الخماري المدير العام للمؤسسة وزهير القمري مدير القناة الأولى على ايهامي ببث هذه الحلقات في قادم الشبكات. انتظرت لأقتنع بعد ذلك بأن هذه الحلقات لن تبث والسبب الرئيسي يرتبط أساسا باسمي الحبيب جغام وتحديدا بلقبي العائلي جغام. * وقبلت بالأمر الواقع؟ انتابني نوع من الإحباط على اعتبار الجهد صحبة الصديق المخرج الحبيب الجمني ولكن الجراح تلتئم بعد ذلك في أغلب الأحيان... وهاهي التلفزة الوطنية تنفض الغبار عن هذا البرنامج بعد 17 سنة وهو أمر أسعدني كثيرا. * ترى في ذلك انصافا ولو بعد هذه السنوات؟ على الاقل في هذا القرار الإنصاف. *«رحلة الايام» بعد 17 سنة من التغييب كيف ظهر لك؟ انتابني نوع من الارتياح على اعتبار محافظتي على النهج الذي اخترته من الأول بعدم السقوط في الابتذال والتهريج الذي يمارس في الحوارات الركيكة التي تملأ إذاعاتنا وشاشاتنا. * هل هناك نية تجديد العهد مع «رحلة الايام»؟ الظروف الموضوعية لا تسمح بذلك ولكن الظروف الذاتية تقبل هذه الرغبة المتجددة وهذا كله يتوقف على رغبة من له سلطة القرار. * بعد 37 سنة من العمل اليومي الدؤوب... ما الذي تغيّر في الحبيب جغام؟ مازلت أحب أن أكون مطلعا على الشأن الاعلامي ومواكبة التظاهرات الثقافية وسعادتي تكمن في تواصل العلاقة مع المستمعين في الاذاعة الوطنية من خلال البرامج التي أقدمها بعيدا عن أي اخلال بدور العمل الاذاعي الريادي.. وينتابني من حين الى آخر إحساس بأنه يكفي من الاذاعة. * هل هو الملل؟ لا... الأمر لا علاقة له بالملل وإنما بعدم الانخراط من جديد في عالم لا نعرف أوله ولا آخره. * ستعتزل نهائي العمل الاذاعي؟ أتمنى ان لا يكون الامر كذلك.. وأتمنى ان لا تكون هناك ظروف قاهرة تدفعك الى ذلك.. مادام بالقلب نبض وفي العروق وفي العالم أشياء جميلة. * تعيش الحراك السياسي؟ نعم كنت من المتابعين للحراك السياسي في تونس غير ان الامر وصل بي الآن الى نوع من الاشمئزاز وأصبحت لا أقبل ما يدور في الكواليس ومللت عديد الوجوه التي لم تقدم اي شيء بل بالعكس قدمت التعاسة سواء كانوا أهل الساسة والأحزاب أو كانوا أهل الفن والثقافة. * تونس اليوم؟ أتمنى أن تتجاوز واقعها الحالي وتنهض بنفسها وتطرد الناعقين والمهرّبين والكذّابين والسفسطائيين ومروّجي الأوهام وبائعي القذارة. * وحمام سوسة؟ تبقى دائما شامخة بصمودها في وجه المتملقين والغيورين من تربعها على عرش الساحل الأزرق الجميل وآمل أن يكون ناسها على قدر من الوعي والإحساس بالوطنية حتى نتقدم الى الأمام ولا نتأخر. * وعائلة جغام الكبرى؟ تعيش اليوم ككل التونسيين وتفخر بأنها لم تستول على مليم واحد.