بقلم الأستاذ المحامي : الزبير العمامي إنه مهما كانت الاعتبارات السياسية التي قدمت للرأي العام العالمي من طرف قوات التحالف الأمريكي البريطاني لتبرير حربها على العراق يوم 19 مارس 2003 ومهما كانت الأهداف والأطماع وبقطع النظر عن النتائج والتداعيات فإن شيئا واحدا يمكن أن يستنتجه رجل قانون مثلي وهو أن هذه الحرب مخالفة لقواعد القانون الدولي والشرعية الدولية. وتجدر الملاحظة هنا أن هذه الفكرة ليست جديدة فكل العامة تعلم بعدم شرعية حرب التحالف على العراق، ولكن لم يقدم الفقهاء والمختصون في القانون الدولي أي دراسة أو تحليل يبرر ويفسر كيف أن الحرب التي أقيمت على العراق كانت حربا غير مشروعة بمقاييس القانون الدولي، كما أغفل الفقهاء والمختصون عن دراسة نتائج هذه الحرب على قواعد القانون الدولي وكيف أن هذه الحرب خلقت أزمة ما بعدها أزمة لقواعد القانون الدولي. هذا ويمكنني التأكيد على أن عدم مشروعية التدخل الأمريكي في العراق نابع من أن هذا التدخل مخالف للمبادئ العامة للقانون الدولي، وهذه المبادئ العامة قد ورد ذكرها بتوصية الجمعية العامة في 24 أكتوبر 1970 وهي الاعلان عن سبعة مبادئ للقانون الدولي تنظم العلاقات الدولية والتعاون بين الدول طبقا لما جاء بميثاق منظمة الأممالمتحدة. والمبادئ العامة للقانون الدولي هي جملة من المبادئ العامة الأساسية التي تنظم العلاقات الدولية والتي لا يمكن لأي دولة أو منظمة دولية أن تخالفها سواء في الاتفاقيات الدولية أو في قانونها الداخلي وهذه المبادئ الأساسية ضرورية لإرساء السلم والأمن العالميين وإبعاد شبح الحروب على الأمم والسؤال الذي يطرح هنا كيف خالف فعل الاعتداء على العراق هذه المبادئ العامة؟ إذا بحثنا عن الاجابة فتكون كالآتي: أولا : المبدأ الأساسي في القانون الدولي وقد جاء به ميثاق الأممالمتحدة هو: عدم استعمال القوة في حل الخلافات الدولية وهذا المبدأ الذي اعتمد خصوصا بعد سنة 1945 هو الأساس الذي يقوم عليه السلم العالمي والذي بدونه يتحول العالم الى بؤر حروب لا نهاية لها، والاعتداء الأمريكي البريطاني الأخير على العراق خالف صراحة هذا المبدأ، فقد التجأت قوات التحالف الى القوة العسكرية لحلّ الخلاف مع النظام العراقي السابق وبقطع النظر عن ماهية هذا الخلاف من الناحية السياسية. صحيح وأن مبدأ عدم الالتجاء للقوة لحل الخلافات الدولية له استثناءان: حالة الدفاع الشرعي واستعمال القوة طبقا للفصل السابع من ميثاق الأممالمتحدة تحت رعاية مجلس الأمن وطالما لم تكن الدول المعتدية في حالة دفاع شرعي وطالما لم يكن عملها مطابقا للإجراءات الواردة للفصل السابع وتحت رعاية منظمة الأممالمتحدة فإن هذا الاعتداء مخالف للقانون الدولي. ثانيا : إن المبدأ التالي من مبادئ القانون الدولي هو نتيجة حتمية لمبدإ عدم استعمال القوة لحلّ الخلافات الدولية، وهذا المبدأ هو ضرورة الفض السلمي للخلافات الدولية، وهذا المبدأ أساسي في القانون الدولي، فالخلافات بين الدول لا تنتهي ولن تنتهي ولكن القاعدة الدولية تأمر بأن يكون الحلّ بالوسائل السلمية مثل المفاوضات والوساطة والمساعي الحميدة وصولا للتحكيم والقضاء الدولي وهنا يتبين لنا جليا وأن الحرب التي خاضتها قوات التحالف على العراق لم تمر بأي مرحلة من مراحل فضّ الخلافات بالطرق السلمية بل أكثر من ذلك فإنها أغلقت الباب على الطرف الآخر وهو النظام العراقي السابق للخروج من الأزمة بطرق سلمية. ثالثا : إن المبدأ العام الثالث للقانون الدولي هو عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهذا المبدأ ينحدر من مبدإ السيادة فالسيادة للدولة في القانون الدولي، فليس لأي دولة أن تتدخل في شأن داخلي لدولة أخرى وهنا تجدر الاشارة وأن كل شيء يهم التنظيم السياسي للدولة يدخل بالضرورة في مبدإ سيادة الدولة، وهنا يتضح لنا جليا وأن طرح تبرير ديمقراطية العراق كذريعة للحرب عليه يؤدي الي تدخل في الشؤون الداخلية للدول، فالطابع غير الديمقراطي لأي نظام في أي دولة لا يمكن أن يكون عائقا في مدى مشروعيته كممثل لتلك الدولة في العلاقات الدولية. رابعا : إن الاعتداء الأمريكي البريطاني علي العراق يخالف مبدأ من مبادئ القانون الدولي الذي لا يمكن الاستغناء عنه وهو مبدأ حرية كل دولة في اختيار نظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي وهذا المبدأ يعني وأن الدولة يجب أن تبقى حرة في اختيار نظامها السياسي طبقا لأهدافها الاقتصادية والاجتماعية التي ترسمها هذا ويجب علينا أن نبين وأن تبرير الحرب على العراق بعدم ديمقراطية النظام السابق وباجتثاث حزب البعث الحاكم في العراق والسير بالعراق نحو الانفتاح الاقتصادي كله مخالف للقانون الدولي باعتباره مخالفا لمبدإ حرية كل دولة في اختيار نظامها السياسي والاجتماعي والاقتصادي. فالقانون الدولي يرتكز على احترام سيادة الدول والمجتمع الدولي يتميز بتعدد الاشكال السياسية (برلماني، رئاسي) والاقتصادي (ليبرالي، اشتراكي، شيوعي) واجتماعي. وهذا المبدأ أساسي إذن لحفظ السلم والأمن العالميين ولو فرضنا أن القانون الدولي يشجع على عدم احترام الاختيارات السياسية والاجتماعية فإن الفوضى ستعمّ فكل دولة تنظر لدولة أخرى تخالفها في النظام السياسي أو الاقتصادي على أنها دولة غير شرعية خاصة وأن فكرة الشرعية ليست فكرة موضوعية، فالنظام الشيوعي ينظر للنظام الليبرالي علي أنه نظام ظالم هاضم لحقوق الجماهير وبالتالي فإن التدخل الأمريكي البريطاني في العراق لخلع النظام السياسي الموجود وإرساء نظام سياسي آخر مهما كانت مزاياه هو أمر مرفوض في القانون الدولي باعتباره يخالف مبدأ حرية كل دولة في اختيار نظام حكمها ونظامها السياسي والاقتصادي. خامسا : إن التدخل الأمريكي في العراق جاء مخالفا لمبدإ من مبادئ القانون الدولي التي طالما تشبثت به الدول خاصة المستضعفة والمستعمرة وهو مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، ذلك أن هذا الاعتداء على العراق لتغيير النظام السياسي الذي يستمدّ مشروعيته من صندوق الاقتراع العراقي مخالف للقانون الدولي فالرئيس العراقي السابق صدام حسين قد انتخب من الشعب العراقي وطبقا لدستور العراق والاطاحة به تعد مخالفة مزدوجة لمبدإ حق الشعوب في تقرير مصيرها قلنا مزدوجة أي مخالفة لرغبة الشعب العراقي باعتبار أنه لوحده الحق في الاطاحة برئيس منتخب ومخالفة للمبدإ المذكور باعتبار أنه للشعب العراقي لوحده الحق أن ينصب الحكومات والرؤساء. هذه إذن جملة من المبادئ التي يقرها القانون الدولي ويعتبرها قواعد من القانون الطبيعي Jus-cogens والتي لا يمكن لأي دولة أو منظمة دولية أن تخالفها لأن هذه المبادئ واحترامها هو السبيل الوحيد الذي يحقق الأمن والاستقرار العالميين ويبعد شبح الحروب عن العلاقات الدولية ضربت بها الآلة العسكرية الأمريكية عرض الحائط والغريب أن هذه الخروقات الأمريكية لمبادئ القانون الدولي هي أخطر بكثير من احتلال العراق كحدث سياسي بل جعلت القانون الدولي يعيش أزمة حقيقية قد ترجعنا الى عهد قانون الغاب وما قبل القانون الدولي الحديث وتجعلنا نتساءل عن مستقبل ودور القانون الدولي والمنظمات الدولية في الحفاظ على المشروعية الدولية في ظلّ هذه الخروقات على قواعده الآمرة؟ محام متحصل على دكتوراه درجة ثالثة في القانون.