لم يشعد العالم وضعا مثل الوضع الذي وصل إليه اليوم، من غياب لضوابط وقوانين ونواميس، مثلما تعوّدنا على ذلك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وتأسيس منظمة الأممالمتحدة في سبتمبر 1948... قوانين ومواثيق دولية تُضرب اليوم عرض الحائط، عندما نرى سيطرة «الدولة المارقة» (L›Etat voyou) على الحياة السياسية، وقيادة اللوبيات لسياسات الدّول، والسّطو العلني على استقلال وقرارات الدّول، من خلال تجاوز القوانين، لأن مصالح اللوبيات مُسّت هُنا أو هناك... في فينزويلا، يحدث أن اللوبيات تجاوزت كلّ الأعراف، فترى الانقلاب على إرادة الشّعب تُمارس بعصا غليظة، تمسكها لوبيات المال ولوبيات النّفط... في البرازيل رأينا كيف تمكّنت لوبيات المال والإعلام من تمرير خدعة بكساء ديمقراطي، فرأينا قيادة اللّوبي الصهيوني العالمي يضع قدما في أمريكا اللاتينية من خلال البرازيل القوّة الضّاربة في ذاك الاقليم، على غرار ما يقعُ في افريقيا وغيرها... والحقيقة، بدأت سياسة اللوبيات والدّعاية تقلب الأوضاع رأسا على عقب، في انتظار أن تعمّ الفوضى كلّ بقعة وكلّ مكان كان بالأمس القريب مناوئا لسياسة الامبريالية والصهيونية عبر العالم... أكبر قوّة مالية ومركز الأعمال: لندن، نجدها في قلب العاصفة اليوم، بمجرّد أن بريطانيا الدولة وبريطانيا العرف، وبريطانيا المؤسسات، انصاعت إلى ضغوطات قامت بها لوبيات متعاضدة، تعاضد بين المال والأعمال والإعلام، من أجل أن تغادر الاتّحاد الأوروبي، فأمسينا نرى بريطانيا تخرّ واقعة على الأرض، لأن تكلفة «البريكست» أغلى مما صوّره لها (بريطانيا) المناوئون لاتحاد أوروبي متجانس ورافض من خلال الرأي العام، لسياسات الاحتلال والغطرسة والهيمنة أينما كانت. ومهما كان مصدرها... هذا هو عالم اليوم، عالم خال من الفلاسفة، وعالم خال من الانسانيات علوما ومعارف وسبل حكم... الآن، وفي أكثر من بقعة في هذه الأرض، ينتفي دور الدولة لتنتهي كمؤسسة إلى ما آلت إليه الآن: حكم لوبيات وحسابات شركات، وتغافل على علوية الإنسان وانحدار لمفهوم القانون والدولة والمؤسسة... يحدث هذا في الغرب وفي دول متقدمة، فتجدُ الشارع الفرنسي لا يختلف عن الشارع السوداني، وهكذا دواليك... الجميع في قبضة اللوبيات الخفية والموصوفة... لقد ضربت الأحزاب وانقضّ الحاكمون الجدد على ما تبقى من مكونات الدولة وأصبح الجميع يدور في حلقة مفرغة، وحدها لوبيات السّلاح ولوبيات النفط ولوبيات الاستخبارات هي التي تسيّرُ العالم، وليست جلسات ومفاوضات الأممالمتحدةوالأمم المختلفة سوى صورة ظاهرها فعل وحراك سياسي وباطنها فعلُ لوبيات، قوامها المغامرة والهيمنة وضرب الدولة.. كمؤسسة.