في مطلع الثمانينات الماضية التقيت بفندق الشام بالعاصمة السورية شيخا مسنّا كان قد أحضر الطعام للزعيم بورقيبة في زيارته الشهيرة الى المشرق العربي لما حلّ بسوريا. هذا الشيخ هو من أعد الطعام للزعيم الضيف حدثني قال: لقد رفض بورقيبة الأكل مما أعددناه من لذيذ الطعام وأشهاه واكتفى بالأكل مما جلبه معه من تونس. وأضاف ولما طلبت منه أن يشرفنا بالأكل مما أحضرناه اعتذر وقال مبتسما: «لو كان في مشرق العرب أمن وأمان لما أرسل الرب سبحانه كل الأنبياء من هذه الرقعة وإليها من كثرة سمومها وجهلها». تذكرت هذا القول وأنا أتصفح أخبار العرب صباحا ومساء وليلا في المشرق العربي من فتن وخراب ودمار تقتيلا وتنكيلا وتثكيلا وترميلا وتيتيما وتهجيرا وتشريدا. وأنا أتساءل هل أن بورقيبة كان على يقين من أن تلك الارض مازال فيها من أشباه الآدميين من يحملون في عقولهم انفاقا مظلمة لا أطول من أعمارهم فقط وإنما أطول من تاريخ البشرية ذاتها من قبل وبعد مجيء الديانات السماوية لهم دهاليز لا بصيص للضوء فيها ولا حتى في آخر ذاك النفق حتى إذا جاء من تجرأ على ظلامهم وكشف لهم عن نور تحوّلوا الى ثيران «الكريدا» (صراع الثيران) وثاروا ثورتها ومارسوا عنفها وهاجوا هيجانها لمجرد رؤية الضوء لا غير. فكان مصيرهم من مصيرها تنزف غور الجراح وهي في طريقها الى المسالخ الغربية بحلالها وحرامها. من يعرفون بورقيبة يدركون أنه راهن على إنارة الأنفاق المظلمة في عقول الناشئة. ولا أشك في أنه مات وهو على يقين من أن في العرب أقواما «ظلمة الضوء لا».