الظن السيئ، اتهام الآخرين، إذاً هو وهم واتهام، ورمي للآخرين بالسوء من غير دليل ولا برهان، فيظن فيه أنه سارق، أو كاذب، أو يظن فيه أنه منافق، أو يظن فيه أنه رجل فيه وفيه من أوصاف السوء، وهذا مرض دبّ في كثير من الناس؛ هذا يسيء الظن بجاره، وذاك يسيء الظن ببعض أقاربه، وآخر يسيء الظن بزميله وصديقه. ولعل من مظاهر سوء الظن الفضول والتطفل ؛ فيبدأ أولاً بالبحث كثيراً والتنقيب عن حال فلان وأخبار فلان، من أجل أن يظفر ببعض ما يظن أنه قرائن وحجة وأدلة تؤكد ظنه السيئ، وهو في هذا يطمس كل فاضلة، وكل دليل قد يكون دفاعاً عن هذا الرجل، ويجمع كل رذيلة وكل تهمة قد تلصق به ظن السوء هذا، ثم ينتقل بعد ذلك إلى تفسير المواقف والنيات بأشياء لا تلزم؛ فإذا جمع المواقف جعلها مواقف سيئة، ولو قصد صاحبها منها الخير، ولو كانت ظاهرة في الخير، فإنه يلوي أعناقها، ويجتهد في تفسيرها بأبشع ما يكون من التفسيرات والنيات، ودائماً ما يكثر من قوله: هو يقصد كذا، هو يريد كذا، هو ما أراد إلا هذا.. فيتكلم عن النيات الغيبية، ظنا أنه اكتشفها لما تعاطى سوء الظن هذا. وسوء الظن مرض ومعصية وإثم، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً منَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ .. ﴾، [الحجرات12]، فهذا منهج يرشدنا الله سبحانه وتعالى فيه أن نجتنب كثيراً من الظن؛ لئلا نقع في بعض الإثم، يقول عليه الصلاة والسلام: ( إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث ) إذاً من يعتمد كثيراً على أحكام الظن فهو حقيقة يعتمد على الكذب، وهذه الآيات والأحاديث دلت على تحريم سوء الظن، وأنه من الإثم، بل من أكذب الحديث، وأما ما جاء في بعض ما يُنقل أن الحزم سوء الظن، أو مثل: احترسوا من الناس بسوء الظن، فهي أحاديث ضعيفة لم تصح عن رسولنا صلى الله عليه وسلم، فالظن السيئ محرم، ويجب اجتنابه ما دام أنه قام بلا دليل صادق. وان من أعظم أسباب سوء الظن: إتباع الهوى، ولذلك أشار الله سبحانه وتعالى لهذا السبب فقال: ﴿ .. إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى ﴾ [النجم23]، إن الأصل إحسان الظن بالمسلم، فالأصل أن المسلم الظن فيه يكون حسناً، فأي فعل يفعله المسلم ابحث له عن سبب حسن، واعزه إليه، يقول عمر رضي الله تعالى عنه: « إذا سمعت من أخيك شيئاً، فاجعل له مائة عذر واحمله عليه، فإن لم تجد أي عذر، فقل: لعل له عذرًا لا أعرفه « يقول الله عز وجل: ﴿ لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً.. ﴾ [النور12]، ولئن تخطئ في إحسان الظن، خير لك من أن تخطئ في سوء الظن . ان خير الزاد التقوى أخرج البخاري في صحيحه عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أن عبدالرحمن ابن عوف رضي الله عنه أُتي بطعام وكان صائماً، فقال: قُتل مصعب بن عمير رضي الله عنه وهو خير مني، فلم يوجد له ما يُكَفَّن فيه إلا بُردة، إن غطي بها رأسه بدت رجلاه، وإن غطي بها رجلاه بدا رأسه، ثم بُسِط لنا من الدنيا ما بُسِط - أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا - قد خشينا أن تكون حسناتنا عُجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام. إن كثيراً من الناس أصبح يصبر على تحمل المشاقِّ في طلب الدنيا ولا يصبر على أدنى مشقة في طاعة الله، ونراهم يغضبون إذا انتُقص شيء من دنياهم ولا يغضبون إذا انتُقص شيء من دينهم، وكثير من الناس - لشدة حبه للدنيا - لا يقنع بما أباح الله له من المكاسب، فتجده يتعامل بالمعاملات المحرمة والمكاسب الخبيثة؛ من الربا والرشوة والغش في البيع والشراء، بل يفجر في خصومته، أو يقيم شهادة الزور ليستولي على مال غيره بغير حق، وهو يسمع قول الله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا ﴾ [البقرة: 278]، وقوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ [النساء: 29]، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً ﴾ [آل عمران: 77]!! لقد استولى حب الدنيا على القلوب فآثرتها على الآخرة، فبعضهم شغلته الدنيا عن الصلاة، وإذا صلى فقد يؤخرها عن وقتها، وحتى في أثناء صلاته تجد قلبه منصرفاً عن صلاته إلى الدنيا يفكر فيها ويعد أمواله ويتفقد حساباته ويتذكر ما نسي من معاملاته، وكثير من الناس حملهم حب الدنيا وإيثارها على الآخرة على البخل والشح بالنفقات الواجبة والمستحبة حتى بخل بالزكاة التي هي ركن من أركان الإسلام. أيها الإنسان، مهما عشت وجمعت فإنك ميت راحل، وما في يديك زائل، ولا يبقى لك إلا عملُك، إنك خرجت إلى الدنيا من بطن أمك ليس معك شيء، وستخرج منها إلى القبر ليس معك منها إلا ما عملت ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ﴾ [الأنعام: 94]، إنك مررت بالدنيا في طريقك إلى الآخرة، وأتيحت لك الفرصة لتأخذ منها زاداً لسفرك، فأنت بمنزلة المسافر الذي هبط إلى السوق ليأخذ منه زاداً يبلغه في سفره ومسيره، فليس لك من هذه الدنيا إلا ما تزودت به للآخرة، ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾ [البقرة: 197].