منذ العاشر من افريل 2003، ما فتئت المقاومة العراقية تثبت موقعها على الميدان، سياسيا بعد ان تمكنت من فرض نفسها ضمن معادلة المشهد العسكري عبر اتخاذ السلاح سبيلا للتحرير... المقاومة في العراق لم تربك الاحتلال فحسب، بل هي اربكت برامج وحسابات المراهنين على الاحتلال اولئك الذين يظنون عبثا، انهم جديرون بأي احترام من العراقيين او العالم، بمجرد ان لبسوا عباءة المحتل وتحدّثوا مع أهل العراق من حزُم الاحتلال... المقاومة العراقية وبعد ان اثبتت ان الرديف الحقيقي للمحتل، ها هي اليوم تفرض عليه واقعا جديدا يقول ان لا تفاوض ولا حلّ الا من خلال المقاومة ومعها. فهذا امر واقع، لم يفرضه الاحتلال، بل فرضته الارادة التي حدت ابناء العراق على اختلاف انتماءاتهم المذهبية والاثنية والقومية، منذ ان وطئت الدبابات الأمريكية بغداد. القضية هنا، والتي نلمس بالواضح انها لم تدُرْ في خُلد العديدين، هي ان القوى الاجنبية مثل اسبانياوفرنسا فهمت مبكّرا ان لا فائدة في اضاعة الوقت وتغليف الحقائق بأقنعة زائلة. فالمقاومة رقم رئيسي في معادلة اي حلّ يُطرح في العراق اليوم ويرنو الى حلّ دائم للغد وبعد الغد. ما لم يفهمه بعض العرب خاصة هو ان «الجبّار» الامريكي الذي تقع سيقانه في نيران الانتفاض والعصيان في العراق الذي يرفضه ويرفض برامجه وأجندته، هو نفسه هذا الاحتلال الذي اعترف بالمقاومة ويفاوضها ويحاورها فما الذي اخذ بعض الاطراف العربية حتى تدخل في مزايدات سئمناها ومللناها، مفادها انها مزايدات تحل مشكلة الاحتلال ولا تحل مشكلا عراقيا واحدا؟ ما الذي اخذ بعض العرب حتى يظهروا بهذا المظهر السيء الذي يتراوح تجاه قضية العراق وحدها من الاخذ بيد المحققين والسجانين والجلادين المنتمين لجنسية الاحتلال، عندما اخذ هؤلاء العرب على عاتقهم معتقلات تحقيق بالمناولة في بلدانهم، الى التسارع وربما الهرولة باتجاه حلول اسقطها الاحتلال نفسه لأنها غير قابلة للتنفيذ، ومنها التحضير لانتخابات في العراق ولأجندة العراق 2005، بدون المقاومة وبالتنادي فقط بين الاجوار عرب وغير عرب؟ ان هذه محطة اخرى بعد فلسطين، وتجربة اخرى بعد بلاد كنعان نشهدها في بلاد الرافدين، على ان المعضلة هي نفسها والتعاطي مع الملف هو نفسه والاداء الاقليمي والدولي هو نفسه. الحقيقة لا يبدو في الأفق الآن ما ينذر بصدمة أخرى اذ يبدو أننا تعوّدنا من فلسطين الى العراق بهذا النوع من الأداء القاصر، الذي ترى فيه الجار والشقيق اقل موضوعية وعدالة تجاه قضيتك من عدوّك المباشر او من الغرباء، رغم ذلك لا نرى الأداء يتحسّن ولا الاطراف المحيطة ببلد المعضلة تعيد النظر في طريقة عملها، او مسكها للملف. المقاومة وحدها التي بامكانها فرض وجه جديد ومشرق ومفعم بالكرامة في كل بلد يخضع الى احتلال او هيمنة. رأينا ذلك بوضوح وجلاء في بلدان من امريكا اللاتينية حين انتصرت المقاومة على اعداء الاستقلال وأرباب الهيمنة الامبريالية، ورأينا ذلك في فرنسا التي غلبت فيها سمة الحرية وأجندة المقاومة كل اصناف الغزاة، وسجلنا نفس المبادئ ونفس الحقائق، وقد استوعبتها ساحات مثل افريقيا وآسيا.. لهذا فإن الاطراف التي تدّعي أن وجودها في اي مؤتمر او تظاهرة حول مصير العراق هو امر ضروري، وانه وجود يجب ان يسبق طرفا اساسيا في العراق اسمه المقاومة، انما هي تتجه نحو طريق خاطئ... بل هي اطراف تخطئ في حق العراق مرتين وثلاثا... تخطئ في حق العراق لأنها اصطفّت على ابواب بغداد تتفرّج على الاحتلال وهو يضرب بقسوة ابناء العراق، ويحوّل حياة الشعب العراقي الى جحيم دائم ولم يحرّكوا ساكنا ولم ينبسوا بكلمة حل رغم انهم يعرفون الحقيقة... وهي ان العراق ضُرب واحتُل ظلما وبهتانا وبلا سبب... وتخطئ هذه الاطراف التي تدّعي الجوار الحسن للعراق، ثانية، عندما رأيناها تهرول لترضي المحتلّ (اسم فاعل) عوض ان ترضي الطرف الواقع بين مخالب الاحتلال، وهي لا تعلم انها بفعلتها تلك انما تفتح نَهَمَ الاحتلال ولا توقفه عند حدّ وان الدور عليها آت ولا ريب... وتخطئ هذه الاطراف ثالثا، لأنها تتعامل بانتهازية مع الملف العراقي وتنطق بلغتين احيانا غير آبهة بمطلب اساسي من شعب العراق كما نادي به الفلسطينيون من قبل والقائل: ان لم تكن معي فلا تكن على الأقل ضدي، مع عدوّي عليّ.. فهذه فلسفة في السياسة ومقاربة في الفكر، لم يتوصل اليها هؤلاء الذين ظنوا ان قوة الحديد والنار قادرة على اذابة الانتفاضة وان تحلل المقاومة.. ونسوا ان المقاومة والانتفاضة ليست معدنا قابلا للانصهار او التحلّل..