ثمّة عبارات تلجأ سلطات الاحتلال الامريكي في العراق الى استخدامها لتشريع الاحتلال ولمباركة هذه «الديمقراطية» التي جاءت بها الى العراق وللظهور بمظهر منقذ العراقيين، المخلص إياهم من الظلمات، الحريص على جلب الأمن والرخاء اليهم، على ان ذلك لا يعكس سوى اقرار بفشل هذه «المهمة» بل وبطلانها. فقد وضعت سلطات الاحتلال الامريكي خطة ل «استعادة» بعض المدن العراقية التي وصفتها ب «المتمردة» وذلك بذريعة فرض «الاستقرار» وضمان اجراء الانتخابات في اجواء امنية مريحة. ويقوم هذا الاجراء على ثلاث مغالطات على الاقل: اولها ان «استعادة» شيء ما تعني بالضرورة امتلاكه قبل فقده، والحديث عن «استعادة» مدن عراقية من ايدي المقاومين باطل لأن هذه المدن عراقية بالطبع ووجودها تحت سيطرة المقاومة هو وضعها الطبيعي بعد ان استعادتها من ايدي الاحتلال الذي هو زائل لا محالة، والمنطق يغلّب الثابت على المتغيّر في مطلق الاحوال، فماذا لو كان هذا «المتغيّر» باطلا من اصله. وأما المغالطة الثانية فتكمن في وصف هذه المدن ب «المتمردة» والتمرد اصلا هو حركة تأتيها فئة معيّنة من جملة منظومة سياسية او عسكرية كاملة، اي ان التمرد حركة جزء من كل على ان يكون ذلك الجزء من طبيعة الكل، بمعنى ان التمرد لا يكتسب شرعية التسمية الا اذا كان صادرا عن فئة شعبية ضد حاكمها الذي انتخبته واوكلت له امرها، فأساء إدارة شؤونها ومن ثمة يحق لها محاسبته. والعمد الى وصف المقاومة العراقية بالتمرد فيه تجاوز لغوي وأخلاقي يجعل من الاحتلال «حالة طبيعية» بل صيغة سياسية تكتسب صفة الشرعية في إدارة شؤون العراق و»معاقبة» كل من لا يمتثل لتلك الإدارة ويأتمر بأوامرها وفي ذلك ايضا تجنّ على حرمة الشعب العراقي لان الفرد حرّ بطبعه ومن ثمة فالشعوب حرة بطبعها، اما الاحتلال فباطل بطبعه ومرفوض قانونيا واخلاقيا. وأما المغالطة الثالثة في صياغة تلك الخطة فهي الزعم بأن القضاء على ما وصف بالتمرد في مدن العراق المناضلة يرمي الى فرض الاستقرار وتهيئة ظروف امنية ملائمة لإجراء الانتخابات لأن في ذلك تسليما بأن اعمال المقاومة هي مصدر فوضى في العراق وهب ان الامر كذلك فإن سلطات الاحتلال تجاهلت هنا مسبّبات هذه «الفوضى» وهي استمرار الاحتلال، فالمقاومة في الاصل هي ردّ فعل على فعل الاحتلال والبادئ اظلم، والمنطق يقتضي البحث في اية ظاهرة قبل تشخيصها او توصيفها بأية صفة. فأولى بقوات الاحتلال الامريكي ان تنسحب وسترى كيف سيعود الاستقرار بطبعه الى العراق وكيف ستنتفي ما تسميها بأعمال العنف بانتفاء مسبباتها ولتترك للعراقيين حقهم في تقرير مصيرهم ورسم مستقبلهم السياسي بأنفسهم لأن ذلك انفع للجميع. ويضاف الى هذه المغالطات استخدام عبارات اخرى من قبيل «اعادة إعمار العراق» التي هي في الاصل استثمار في الدم العراقي والمال العراقي والثروات العراقية لإعادة بناء عراق على الشكل الذي يريدون وبالطاقة التي يحددون تحت مسميات اعادة الإعمار وما الى ذلك من التسميات القائمة على مغالطات خطرة ترمي جميعا الى تكريس الاحتلال واقعا لا مفرّ منه وحقيقة لا سبيل الى ردّها، بل حالة «ضرورية» ليستقيم حال العراق، وتلك ابشع مظاهر الاحتلال.