من أبجديات العمل السياسي الشفافية والوضوح والالتزام.. فهي زاد كل حزب سياسي وطريقه الى اثراء رصيده من المصداقية.. التي تصبح عنوان هذا الحزب وتجعل الانسان يختار هذا الحزب دون ذاك... لكن، وللأسف الشديد، فإن بلادنا تشهد بين فترة وأخرى بروز بعض المسؤولين في قيادات حزبية معارضة لا يترددون في ادارة ظهورهم لأبجديات العمل السياسي.. ليختزل برنامجهم أولا وأخيرا في اصطياد الفرص لاستعراض انتهازيتهم السياسية وتسجيل بعض الفرقعات الاعلامية وإن كان ذلك على حساب أسس العمل السياسي وعلى حساب مصداقية هذا الحزب أو ذاك.. وأيضا على حساب مسؤولياته والتزاماته تجاه قواعده ان وجدت له قواعد وتجاه الرأي العام الوطني الذي يعترف بالبرامج السياسية وبالعمل الجاد ولا يعير اهتماما للفرقعات الاعلامية وغيرها لأنها بطبعها زبد والزبد يذهب جفاء... وقد كانت قيادة الحزب الديمقراطي التقدمي آخر من يدلي بدلوه في هذا الباب من خلال اعلانها الانسحاب من الانتخابات التشريعية... وهو انسحاب يأتي مع نهاية الحملة الانتخابية ليطرح عديد التساؤلات وليكشف عن افلاس سياسي كامل جعل الهروب من الحلبة أيسر السبل قبل تلقي صفعة مدوية يوم الاقتراع. من حيث توقيته فإن هذا الانسحاب المتأخر جدا لن تكون له تبعات حسب القانون وسوف توزع قائمات هذا الحزب في كل الدوائر التي ترشحت بها. هذا من حيث الشكل أما من حيث الجوهر فإن هذه الحركة وفي هذا الوقت بالذات تنم عن قدر كبير من الجبن والانتهازية السياسية... انتهازية زيّنت للقائمين على هذا الحزب دخول معترك الانتخابات والتمتع ب180 دقيقة بث اذاعي وتلفزي وهو مقدار الحصص المخصصة لمجموع قائماته الانتخابية.. خصصها ليس لتقديم البرامج والمقارعة بالأفكار والحجج ولكن لنفث السموم وترديد تلك الاسطوانات المشروخة في خطاب سياسي موغل في الغوغائية والدمغجة والاختفاء وراء العبارات المنمّقة.. ثم إن هذا الانسحاب وفي هذا التوقيت يؤكد أن هذا التصرف محسوب سلفا ومخطط له مع سبق الاضمار والترصد ويهدف الى اغتنام الفرصة لمخاطبة الشعب من منبر الاذاعة والتلفزة ثم التبخّر في الطبيعة بتعلّة أن «الحزب لا يملك حظوظا» انتخابية، أو بسبب ضجة مفتعلة حول البيان الانتخابي للحزب حيث سبق وأن تمت تسوية الاشكالات القائمة يوم الخميس 14 اكتوبر واعطاء الضوء الاخضر للحزب لتعليق بيانه (انظر الشروق- ص 13). ثم ان هذا الحزب يعرف منذ البداية حجم اشعاعه في الشارع التونسي وبالتالي يدرك غياب أية حظوظ له، ولكنه بانتهازية مفضوحة وفي خطوة موغلة في المخاتلة قدم ترشحه للانتخابات التشريعية بنية الانسحاب بعد استغلال ما يخوله القانون الانتخابي في حق التمتع بحصص في الاذاعة والتلفزة للتحدث الى جمهور الناخبين. لكن هذا التكتيك المفضوح والذي يكشف عن قصر نظر اصحابه سيجعل السحر ينقلب على الساحر... لأن صورة هذا الحزب قد التصقت بالمكر والخداع علاوة على التصاقها بخطاب غوغائي لا برامج سياسية ولا مشاريع ولا أفكار بناءة فيه... ولأن السلطة التي اراد احراجها قد هزمته بالضربة القاضية حين ظهرت امام الجميع برحابة صدرها وبصبرها على تلك التفاهات التي تسللت عبر الإذاعة والتلفزة في سبيل اضافة لبنات جديدة في المسار الديمقراطي بتعويد التونسيين على القبول بالتعدد والاختلاف. وتأكيدا فقد كانت هذه الحركة مجرد صرخة في واد وهي أتفه من ان تعكّر صفو العرس الديمقراطي الذي تعيشه بلادنا.. ولن تتعدى كونها استعراضا في البجن والانتهازية والهروب.