تعرف الانتخابات في الصعيد المصري حالة من التوتر والتشنج تصل حد العنف والقتل، وتغذي هذه الحالة النزعة القبلية والعصبية المتشددة التي تشرع كل أنواع التعدي على المرشحين والمنتخبين على حد السواء، ويتغلب منطق القوة و«الفتوة» و«الرشوة السياسية» على قانون الانتخابات وعلى البرامج الانتخابية، ويبدو أننا في تونس سنعيش الانتخابات القادمة، إن حصلت، على الطريقة «الصعيدية» خاصة أن عديد المؤشرات بدأت تطفو بشكل علني منذ مدة لعل أبرزها غموض القرار السياسي من قبل الحكومة المؤقتة في علاقة بتفعيل الهيئة المستقلة للانتخابات وهي الهيئة التي من شأنها أن تضمن حدا أدنى من الشفافية ونزاهة العملية الانتخابية، إلى جانب التراخي المفضوح في كتابة الدستور والتعجيل بالانتهاء منه في ظرف سنة مثلما تم الاتفاق على ذلك قبل الانتخابات الفارطة، هذا فضلا عن حرب النيابات الخصوصية بالبلديات وتغليب المصلحة الحزبية على حساب الكفاءة والمصلحة الوطنية في تسيير دواليب الدولة وهياكلها التنظيمية باستعمال النفوذ السلطوي، إلى جانب استعراض القوة في أكثر من مرة... وطبعا المحاولات المتكررة للسيطرة على وسائل الإعلام وتوجيهها للطرف الماسك بالسلطة الآن خاصة بعد تعليق أعمال الهيئة الوطنية لإصلاح الإعلام... هذه المؤشرات وغيرها لا تخدم المسار الديمقراطي والعملية الانتقالية من مرحلة الديكتاتورية والانتخابات المزيفة إلى مرحلة الشفافية والديمقراطية، تضاف إليها اليوم أساليب موغلة في الهمجية والاستهتار بحلم هذا الشعب في حياة ديمقراطية، أساليب بدأت تطفو على المشهد السياسي منذ أن سقط رأس الديكتاتورية، حيث كانت أحزاب كحركة التّجديد وحزب العمّال الشيوعي سابقا والحزب الدّيمقراطي التّقدّمي سابقا من أكثر الأحزاب الّتي تعرّضت للعنف الذي كان يهدف إلى إفساد تظاهراتهم العامّة.، كما أن اغلب الاعتداءات المتكررة على أهل الفكر والثقافة والفن وعلى النقابيين والحقوقيين كانت كلها في خدمة السياق السياسي العام المراد إقراره بالقوة، والناسف لكل إمكانيّات الانتقال الديمقراطي السلمي. العنف السياسي وصل إلى حد التهديد بالقتل والتحريض عليه، ودون الإحالة على الشخصيات السياسية والوطنية المستهدفة والأطراف التي تمارس التحريض السري والعلني والتي باتت معلومة، فان «المبررات» المطروحة من قبيل «الثغرات» الأمنية داخل الجهاز الأمني وتساهله في أكثر من حادثة، وتسريب السلاح من الشقيقة ليبيا وكذلك إطلاق سراح عديد المساجين جميعها وغيرها كان يمكن تداركها وإيجاد الحلول المناسبة لها حتى لا نصل إلى نقطة اللاعودة بعد أن صارت تونس في القائمة السوداء للدول، غير أن الإرادة السياسية غائبة ولم نشهد إلى حد اليوم سوى الاستهتار الكامل والمخجل من قبل من يمسك بدواليب الحكم بالمسار الطبيعي للشعب التونسي. هناك مثل تونسي بسيط وعميق جدا يقول «كون صيد وكولني» وهو مثل للأسف لا ينسحب على الحكومة الحالية وتحديدا على حركة النهضة، ولذلك لا غرابة في أن ينتشر العنف ونجد له ما يبرره كالذي حصل مع السلفيين في «غزوة سفارة أمريكا» التي اعتبرها وزير الداخلية «عثرة عابرة»! وقبلها ذاك التّهديد السخيف من محمد عبّو لكل من سوّلت له نفسه أن يتحرّك يوم 24 أكتوبر رفضًا لمواصلة مهزلة الشرعية التأسيسية خالطًا بينها وبين تهمة اسقاط النظام!!!