مع حلول السنة الإدارية 2026، لا يدخل العالم عاما جديدا بقدر ما يدخل مرحلة جديدة مثقلة بالأسئلة الكبرى، حيث تتقدّم الحروب على السلم، وتتعقّد خرائط النفوذ، وتتآكل الثوابت التي حكمت النظام الدولي لعقود. سنة جديدة تطلّ على البشرية فيما لا تزال أصوات المدافع أعلى من لغة الدبلوماسية، ولا تزال الأزمات تتكاثر أسرع من حلولها، في عالم يبدو وكأنه فقد بوصلته الأخلاقية والسياسية. لقد أصبحت الحرب، في السنوات الأخيرة، أداة سياسية شبه طبيعية في إدارة الصراعات، من غزة التي عاشت واحدة من أبشع الحروب في التاريخ الحديث، إلى أوكرانيا التي تحوّلت إلى ساحة استنزاف دولي مفتوح، مرورا بالسودان واليمن وأزمات أفريقيا المنسية، يبدو أن العالم لم يعد يبحث عن السلام بقدر ما يبحث عن إدارة الحرب، والأخطر من ذلك أن الحروب لم تعد استثناء، بل صارت جزءا من توازنات الردع الجديدة، تُدار عن بُعد أحيانا، وبالوكالة أحيانا أخرى، لكن كلفتها دائما تُدفع من دماء المدنيين. وفي المقابل، تتراجع مكانة القانون الدولي والمؤسسات الأممية أمام منطق القوة، فمجلس الأمن يبدو عاجزا أو مشلولا، ليس بسبب نقص الأدوات، بل بسبب تضارب مصالح القوى الكبرى التي تمتلك حق الفيتو، ومع كل أزمة جديدة، يتأكّد أن النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية يمرّ بمرحلة احتضار بطيئة، دون أن تتبلور بعد ملامح نظام بديل أكثر عدلا وتوازنا، بما يجعلنا في خضمّ مرحلة انتقالية خطيرة، حيث الفراغ يولّد الفوضى، والفوضى تفتح الباب أمام المزيد من الصراعات. السنة الإدارية الجديدة تأتي أيضا في ظل سباق محموم على النفوذ الجيوسياسي والاقتصادي، من خلال صعود قوى جديدة، وتراجع الهيمنة الأحادية، واتساع رقعة التنافس بين الشرق والغرب، كعوامل تعيد رسم خريطة العالم، غير أن هذا التحوّل لا يسير بسلاسة، بل يمرّ عبر توترات حادة، وحروب اقتصادية، وعقوبات، واصطفافات جديدة، بحيث لم يعد السلم خيارا أخلاقيا، بل أصبح رهينة حسابات الربح والخسارة، وموازين القوى المتغيّرة. ولا يمكن فصل تحديات الحرب والسلم عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تضرب العالم، فالتضخم، وأزمات الطاقة، والغذاء، وتغير المناخ، والهجرة غير النظامية، كلها عوامل تُغذّي التوترات الداخلية داخل الدول، وتُضعف قدرة الحكومات على التركيز على السلم الخارجي، حيث أن الدول المنهكة اقتصاديا تكون أكثر هشاشة أمام الصراعات. في هذا السياق المضطرب، يبدو أن العالم يقف عند مفترق طرق، إما أن يواصل الانحدار نحو منطق القوة العارية، حيث تُفرض الإرادات بالسلاح والضغط، أو أن يعيد الاعتبار لفكرة السلم كخيار استراتيجي لا كترف أخلاقي، فالسلم اليوم لم يعد يعني فقط وقف إطلاق النار، بل يتطلّب معالجة جذور الصراعات المتجسدة في الظلم، والاحتلال، والفقر، والتهميش، وازدواجية المعايير، ودون ذلك، ستبقى كل تسوية مؤقتة، وكل هدنة قابلة للانفجار من جديد. ومع استقبال السنة الإدارية 2026، يبقى السؤال الجوهري قائما: هل تعلّم العالم من كلفة الحروب، أم أنه ما زال يراكم الأخطاء نفسها؟ هل ستنجح الدبلوماسية المتعددة الأطراف في استعادة دورها، أم ستظل أسيرة مصالح الأقوياء؟ المؤكد في كل هذا أن الشعوب، لا الحكومات وحدها، أصبحت لاعبا مهما في معادلة الحرب والسلم، كما أثبتت الاحتجاجات العالمية ضد الحروب والعدوان، والضغط المتزايد على صناع القرار. إنها سنة جديدة تُفتتح على عالم متعب، لكنه ليس بلا أمل، فالتاريخ يعلّمنا أن أشدّ الفترات ظلمة قد تكون مقدمة لتحوّلات كبرى، غير أن ذلك يظلّ مشروطا بقدرة البشرية على اختيار السلم، لا باعتباره ضعفا، بل كأعلى درجات القوة والعقلانية، وبين الحرب والسلم، يتحدّد وجه عالمنا في 2026 وما بعدها. هاشم بوعزيز