تشير الأرقام إلى وجود حوالي 16 ألف حالة طلاق تُسجَّل سنويًا في تونس خلال السّنوات الأخيرة، يقابلها تراجع في عقود الزّواج في صفوف الشّباب ب 10 بالمائة في سنة واحدة فقط، ما جعل النسبة تنزل إلى أقلّ من النصف في غضون عشر سنوات تقريبًا. تعدّ مثل هذه الأرقام جرس إنذار يهدّد الأسرة باعتبارها المكوّن الرئيسي للمجتمع والمؤشّر الأساسي للتماسك الاجتماعي. تخفي هذه الأرقام حجم التحدّيات الاجتماعية التي تعيشها الأسرة التونسية، وما يواجهه المجتمع من مخاطر تفكّك في ظلّ تحوّلات عميقة وتغيّرات في المعايير والسّلوكات الاجتماعية والقيميّة، لم تعد تُولي أهمية للزّواج وتكوين أسرة بالمفهوم التقليدي، وجاءت بطرق بديلة للارتباط شاعت بين الشّباب كأيسر طريقة لتحقيق التوازن العاطفي لدى الجنسين. في المقابل، أقرّت وزارة المرأة والأسرة منذ سنة 2022 الانطلاق في تجربة نموذجيّة أولى ل»تأهيل المقبلين على الزّواج» قبل إبرام العقد ، تتوَّج بشهادة تأهيل، وإصدار دليل تأهيل للحياة الزوجية، لضمان حياة مشتركة ناجحة، وتقوية الروابط الاجتماعية، وإنشاء أسرة متماسكة، وتدريب الشّباب على كيفية التعامل مع الصعوبات التي يمكن أن تعترض الشّريكين، والتخفيض من نسب الطلاق داخل الأسرة. وكان من المتوقّع أن يصدر هذا الدليل وفق رؤية جديدة ولأوّل مرّة ببلادنا، إلا أنّه لم يرَ النور إلى اليوم، رغم مرور أربع سنوات على إقراره !. وفي المجال نفسه، أعلنت الوزارة في شهر جويلية المنقضي عن خطة وطنية حول التماسك الأسري في أفق 2035، للتصدّي للتفكّك الأسري وإتاحة الظروف الداعمة للأسرة اقتصاديًا واجتماعيًا وتشريعيًا، لمساعدتها على إيجاد الحلول لمشاكل الحوار والتواصل والتعامل والمعيش اليومي، التي شكّلت أهمّ أسباب ما تشهده من تصدّع داخلي ينتهي في الأخير إلى أروقة المحاكم ويؤثّر على الأطفال. غير أنّ هذه الخطة الناشئة ما تزال تسير بخطى السّلحفاة، وقد وُضع سقف زمني لتشكّلها يمتدّ إلى تسع سنوات قادمة، والحال أنّ الوضع، بما هو عليه اليوم، ينبئ بوجود معضلة اجتماعية عميقة لا تنتظر التأجيل ولا التأخير ولا إعداد الخطط على نار هادئة، خاصّة وأنّ بلادنا تسجّل بين 40 و46 حالة طلاق يوميًا. وإن كانت النوايا من وراء إطلاق استراتيجية شاملة لإنقاذ المجتمع من التفكّك والتصدّع تقوم على تأهيل الشّباب للحياة الزوجية والإحاطة بالأسرة، فإنّ هذا الإشكال الاجتماعي الخطير لا يمكن حلّه بالانتظار والاجتماعات والشعارات ، لأنّ الأمر بات يتطلّب الذّهاب مباشرة إلى أصل الأزمة ومعالجتها من الدّاخل، عبر العمل الميدانيّ وفتح حوار وطني شامل مع الشّباب، ومع الأسر التي عاشت التجربة، أو الأسر المهدَّدة والسّائرة في الاتجاه نفسه، والاستفادة من التجارب المُسجّلة والآراء المرصودة، حتّى تتأسّس خطة الإنقاذ على تجارب واقعية، ولا تكون مُسقطة على الجميع. ثمّ إنّ العنصر الأهمّ في هذا المجال هو عدم حصر نجاح الزّواج وتماسك الأسر في الفئات المعنية بالزّواج فقط، ذلك أنّ التنشئة الأولى للطفل تلعب دورًا هامًا في تبنّيه لمفهوم الاستقرار العاطفي والاجتماعي، وإعداده لحياة مشتركة، وتدريبه على الحوار بدل العنف، وتعليمه كيف يخوض حياة مشتركة لا تعترف بفوارق بين رجل وامرأة في أداء الواجب الأسري والزوجي عند الكِبر، حتى ينشأ على فكرة تقاسم الأعباء، وتحمّل المسؤولية، والتضحية وقداسة الارتباط. وهو ما يستوجب تشريك رياض الأطفال والمؤسسات التربوية للقيام بهذا الدّور البِنائيّ المُهم، في شكل أنشطة وحلقات حوار تتناغم مع سنّه وإدراكه. من هنا نكون فعلًا قد هزمنا التفكّك الأسري، ووفّرنا الأرضية الملائمة لنجاح الزّواج، وحمينا الأطفال من الآثار السّلبية للطلاق والتصدّع الأسري. وحيدة المي