نقف اليوم على أعتاب صيف 2026، حيث تتجه الأنظار نحو مدارج المسرح الأثري بقرطاج ومسرح الحمامات في دورة ليست كغيرها؛ هي الدورة الستون. رقمٌ يحمل في طياته ستة عقود من الزخم الثقافي، والذاكرة الفنية الجماعية، والريادة التي جعلت من تونس منارةً إقليمية ودولية. ولكن، وبينما نعيش اليوم 26 أفريل 2026، يسود صمتٌ "ثقافي" يثير القلق، حيث لم تتضح بعد الملامح الكبرى لبرمجة هذا الجوبيل الماسي، وسط غياب مدير لمهرجان قرطاج الدولي منذ الدورة الفارطة، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل تليق "الضبابية" بعراقة ستين عاماً؟ إن الرهان الحقيقي في هذه الدورة يتجاوز جدران المكاتب الرسمية ليلتقي مع "الجمهور التونسي"، الذي استحال النجم الأول والعلامة الفارقة التي تمنح هذه المنصات شرعيتها العربية والمتوسطية. لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن "الترند" الرقمي الذي يصنعه الجمهور التونسي بتفاعله وشغفه، قد تجاوز بمراحل مهرجانات دولية أخرى رُصدت لها ميزانيات ضخمة، مؤكداً أن روح المهرجان تكمن في مدرجاته لا في أرصدته البنكية. ومع ذلك، لا يمكن للجمهور وحده أن يحمل عبء التاريخ؛ فعرض الافتتاح هو "العنوان" الذي يُقرأ من خلاله الكتاب. في الستين، يحتاج المهرجانان إلى رؤية إخراجية وفنية ثورية، تزاوج بين الهوية التونسية العميقة وبين التطور التقني العالمي وتعكس تجربة مهرجان بلغ من العمق والتجربة من يجبره الى استعادة الريادة. فالمهرجانين لم يكونا مجرد "مستقبل" للعروض، بل كانا "منتجين" للجمال؛ فمن ينسى ملاحم المرحوم الفاضل الجزيري التي أعادت صياغة التراث بروح عصرية، أو تلك العروض التكريمية التي احتفت بأعمدة الفن التونسي مثل علي الرياحي، الهادي الجويني، ولطفي بوشناق؟ وفي الحمامات، ظل المسرح هو المختبر الذي يشارك المهرجان في صياغة تفاصيله، ليقدم عروضاً ترتقي لذائقة جمهور استثنائي. وبالعودة إلى الذاكرة العالمية، نجد أن هذه الركاح كانت شاهدة على مرور أساطير صاغوا وجدان البشرية؛ من "شارل أزنافور" وسحر الاغنية الفرنسية، إلى "جيمس براون"، "جو كوكر"، "ألفا بلوندي"، و"ستينغ". وعربياً، كانت تونس "القبلة" والمحك لعمالقة مثل وردة الجزائرية، وديع الصافي، صباح فخري، نجاة الصغيرة، وكاظم الساهر، وبصم "ملوك الراي" خالد ومامي على عالميتهم من هنا. اليوم، تقع على سلطة الإشراف مسؤولية تاريخية في اختيار قيادة فنية لمهرجان قرطاج خاصة، تملك مشروعاً واضح المعالم قادراً على استثمار هذا الإرث وتوظيفه اقتصادياً وسياحياً. فالدورة الستون تمثل فرصة ذهبية لتعزيز صورة تونس كوجهة ثقافية آمنة ومبدعة، قادرة على جذب آلاف السياح العرب والأجانب. التاريخ لا يرحم، والجمهور التونسي لا يرضى بأقل من العالمية ل "جوهرتي" المتوسط. الأولى الأخبار