في نفس اليوم... في نفس الصحيفة... في نفس الصفحة، قضيتان، واحدة تحكي قصة شاب يعنف أمه ويدمي وجهها ولولا تدخل الجيران... والثانية فتاة تعتدي بالعنف على والدها لأنه... أكثر م ملاحظاته حول سلوكها... ياالله... ليس من عادتي التوقف عند صفحات المحاكم لانني أفضل أن أرى الدنيا أجمل مما هي عليه في اواقع... ولان صفحة المحاكم على صغرها تتضمن كمّا من الشر المركز لا يمكن تقبله ولو على جرعات لما يسببه من أذية نفسية وانقباض في المعدة ومزيد من اليأس من البشر... ليس العيب في الصحيفة التي تنقل ولكن العيب في العيب نفسه... العيب في سقوط أقوى الروابط وأقدسها... تلك التي لا تحتاج الى المرور بالعقل مادامت غريزية ولا تدوسها حتى الوحوش والذئاب في الغاب... شاب يلطم أمه... فتاة تعنف والدها... من ربّى هؤلاء... الوالدان؟ المعلم؟ الشارع؟ أرصفة الانحلال والضياع؟ كم من اعتداء لفظي ومادي لا نسمع عنه لانه لم يبلغ المحاكم أو لان حياء المعتدى عليهم أو خشيتهم على مصير العاقين يجعلهم يكظمون غيضاهم ويتسترون... لأن حنان الأم والأب أقوى من الانتقام... من يقول ان هذه الفتاة وهذا الفتى كانا رضيعين... وانهما ناما في أحضان دافئة... ناما على هدهدة جميلة وأغنيات تحكي حلم الأم والأب برؤية «فلذة الكبد» تكبر وتصبح أحسن الناس... يتعرّى الاولياء ليكسوا أبناءهم... ويجوعون أحيانا ليشبع أطفالهم ويحرمون أنفسهم من لذة النوم ومن الراحة حتى لا يشقى هذا الذي يحمل حلمهم في أن يكبر ويشتد ساعده فيعوض عليهم في أرذل العمر ويغمرهم بالخير والعطف والبر... من يتصور أنها أرضعته ليشتد ساعده وتشتد قبضته وصفعته وركلته... من ربّى هؤلاء؟... الوالدان؟ المعلم؟ الشارع أم رصيف الضياع؟ أم ببساطة ما تبثه ثقافة الفضائيات بمختلف لغاتها... التلفزة أيضا لها باع في هذا... رحم الله حكايات جدتي كنا نشرب منها قصصا ممتعة تحكي صراع الخير والشر وكانت تغزل الكلام غزلا حتى ننحاز للخير ونفرح عندما ينتصر... وكبرنا مع هذه القصص وان نسيناها أو نسينا ملامح جدتنا العجوز فإن قيما تبقى موشومة في عقولنا وقلوبنا الصغيرة... أما تلفزة اليوم فإنها تبث مسلسلات كل شخصياتها خونة... غدّارون... انتهازيون... والشاطر هو الدنيء وهو الذي يدمر كل ما هو جميل ليفوز بالطيبات... ليس هناك صراع بين الخير والشر... بل صراع... بين الشر والشر... والمنتصر هو البطل... أنا لا أطمع في تناول ساذج للقضايا ولكن هناك حد بين بث الامل وبث الاحباط... بين نصرة القيم والتسليم بالواقعية الفجة... بين نصرة الذكاء ونصرة الخبث... بين تحويل المال الى هدف في حد ذاته والحال أنه وسيلة... القيم أيضا ثروة... ومن يبدّد هذه الثروة عليه أن ينتظر من الصحف أن تزيد في عدد صفحات المحاكم...