(خرّيج المعهد العالي للفن المسرحي) يوم السادس من نوفمبر 2003 على الساعة التاسعة ليلا انطلق عرض مسرحية «كسوة ورش» التي أخرجها كل من صالح الجدي وفتحي المناصري والتي يقوم بالأدوار المختلفة فيها الفنان صالح الجدي. كانت الشخصيات متعددة : من بائع اللامي إلى الأستاذ مرورا بمبروكة وصولا الى الفارس سعيد.. هذه الشخصيات المختلفة تجمع بينها عدة روابط أولها أن الذي يؤديها هو نفسه أي الممثل صالح الجدي. كما أن الذي يقوم بعرض مختلف هذه الشخصيات داخل العمل المسرحي هو حارس دار الثقافة الذي يروي لنا حكاياتها المختلفة ويؤديها بإتقان عجيب. الفرق بين صالح الممثل وحارس دار الثقافة والفرق بين سعيد والأستاذ والفرق بين مبروكة والفتاة التلميذة أو تلك التي يعاكسها بائع اللامي أو تلك السائحة.. والفرق بين الحاج ورفيقه.. وفي الواقع يطول الكلام عن هذه الشخصيات لأنها كانت كثيرة وحتما تجاوزت العشرة ولسنا نبالغ حين نقول أن العرض كان ناجحا لدرجة أن الجمهور الذي فاق عدده عدد مقاعد المركز الثقافي الحسين بوزيان كان طوال العرض إما يصفّق أو يضحك. جرت العادة عندما تتمّ دعوتنا لحضورعرض مسرحي أن نذهب لتشجيع أصحاب العمل وكلنا وعي أن ذلك واجب علينا خاصة في غياب الجمهور لكن عرض مسرحية «كسوة ورش» لم يكن في حاجة لأية مجاملات فعدد المشاهدين الذين واكبوا العرض وقوفا كان يقارب عدد الجالسين وبرهن الجميع على اعجابهم بالتصفيق الحار. نعود الى محتوى العرض وأسرار نجاحه فقد كان النص محبوكا وكانت الشخصيات التي تعيش في وسط ريفي بقدر ما تختلف عن الواقع باعتبارها تضخمه بقدر ما كانت لصيقة به لكونها تصوره. فكان كما قال أرسطو «ليس ما وقع ولكن ما يمكن أن يقع». كانت الشخصيات كاريكاتورية فيها ما يبيّن اهتزاز شخصية بعض الشبان الذين يلجؤون إلى أقصى أنواع الخمور «الصاروخ» ظنا منهم أنه الحل لمشاكلهم فإذا بالواقع ينغرس أمام أعينهم بانتهاء مفعول هذا الشراب. هذه هي القشرة أما اللب فكان تشريحيا لأزمة العالم العربي المتشرذم والذي لم يعد ينفعه حتى كوفي عنان» والواقع أن خيبة العرب يمكن لو اتحدوا صفا واحدا لإعلانها لأرهبوا العدو بقوة أصواتهم.. إن الصور الكاريكاتورية كانت مضحكة مبكية فبعد أن يبتسم ثغر المشاهد يفغر فاهه للحقائق المحزنة. وليست قصائد الشابي فقط التي لم يعد لها مكان في الزمن الحاضر وعوضتها «يا كرهبة كمال».. بل أيضا فروسية سعيد التي لم تجده نفعا فضاعت العروس من بين يديه لأن عمله في المهرجانات لم يكن ليساعده على تحصيل مهرها. يقرّر سعيد قتل فرسه والانتحار ويناشده الأستاذ أن لا يفعل فهو كالشجرة العالية التي نرى فيها أنفسنا. الفجائع بالجملة والضحك بلا هوادة تلك مراوحات المسرحية أما عن تقنياتها فكانت الاضاءة تتغيّر بانسجام وتناسق من أعلى (دوش) الى جانبية إلى أمامية.. فاستغلّت كامل الركح ومكّنت الممثل من مساحات أكثر وتجديد أمتع. كما أن الملابس ساعدته على تغيير الشخصيات، ولم يكن المشاهد ليشعر بطول الوقت المخصص لذلك فقد تمّ كل شيء أثناء التمثيل فظهر كعنصر منه غير منفصل. إن عرض مسرحية «كسوة ورش» بيّن أن المسرح التونسي لا يزال بخير وأننا ليست لدينا أزمة جمهور.