كلما اقترب موعد الانتخابات العراقية صار المأزق الأمريكي أشدّ وضوحا وسارعت الأصوات جميعها طوعا أو كرها الى تقديم الاعتراف تلو الآخر بأن المقاومة أضحت المحدد الأول لمدى نجاح العملية السياسية في العراق وأنها عنصر فاعل لا غنى عنه في بناء العراق الذي يريده العراقيون الأحرار، وأنّ الاحتلال سائر نحو نهايته، لأن العراقي الشريف لا يرضى بغير الحياة الكريمة، والاحتلال الذي قام على أسس باطلة من أول يوم معدودة أيامه، قصير مقامه. هذه الحقيقة تظهر في كل مرة بشكل مختلف، وليس آخر هذه المظاهر حتما ما صدر من أحد قياديي جهاز الاستخبارات التابع للحكومة العراقية المنصّبة من أن المقاومة تعدّ نحو 200 ألف رجل وأن نواتها التي تحرّك عملياتها بشكل دائم قوامها 40 ألف رجل. ومعلوم أن في هذه الأرقام تطورا كبيرا قياسا بالتقديرات الأمريكية التي اعتبرت أن عدد المقاومين لا يتعدّى 20 ألفا وسعت مرارا الى الحطّ من شأن المقاومة لتبرير كذبة التحرير وإظهار المحتل بمظهر الضيف المرغوب فيه. لكن الوقائع الميدانية هي التي تعكس حقيقة الوضع وتفضح في كل مرة أكاذيب المحتلين، فالمقاومة ليست مجرّد «جماعات يائسة» أو «فلول» تقاتل بلا هدف أو تنظيم، بل هي عنصر أساسي في المشهد العراقي. ولئن تحدث المصدر العراقي عن 200 ألف مقاوم فإن الحقيقة قد تكون أبعد من ذلك بكثير إذا أخذنا في الاعتبارعدم مشروعية الاحتلال والامتعاض الذي يبديه العراقيون من وجود القوات الغازية على أرضهم باستثناء فئة محدودة جدا لغاية خبيثة في نفوسهم وإذا أخذنا في الاعتبار أيضا إقرار الأمريكان بأنهم يقاتلون «عدوا غير مرئي». فالشعب العراقي مقاوم بطبعه، بل إن مقاومته تجاوزت مجرّد الرد الطبيعي والتلقائي على ما تقترفه قوات الاحتلال بحقه الى مستوى الرد الممنهج والمنظم والذي اتخذ أشكالا لا قبل للأمريكان بها. والعراقيون مقاومون حتى بمجرّد اتخاذ موقف رافض لقوات الاحتلال على أرضهم، وتكفي الاشارة الى آخر استطلاعات الرأي التي أكدت أن 90 من العراقيين يعتبرو ن القوات الأمريكية وحلفاءها قوات احتلال وأن من يصف تلك القوات بغير هذا الوصف واهم، يتعمّد مغالطة نفسه والآخرين. ولأن جميع الاستطلاعات أثبتت أن «شعبية» الاحتلال في تراجع مستمر فإن المنطق يرجّح أن يكون متتبّعو نهج المقاومة في تزايد مستمر لأنه النهج الأسلم، والطريق الأقرب الى النصر.. ألم يأن للمحتلّين وحلفائهم بعد كل ذلك أن يوقنوا بأن خلاص العراقيين يكمن في المقاومة والاعتصام بحبلها المتين؟