دول عديدة بدأت بارسال المراقبين للإشراف على سير الانتخابات الفلسطينية والوقوف على مدى مطابقة هذه العملية للمقاييس الديمقراطية، وينتظر ان يبلغ عدد المراقبين بعض المئات يمثلون دولا ومنظمات عديدة من جميع أنحاء العالم، فالكل يسعى على ما يبدو الى أن تكون هذه الانتخابات «ديمقراطية» مصوّرين الأمر على أنه الرهان الأكبر الذي يواجه الشعب الفلسطيني والذي سيفتح أمامه اذا ما نجح في رفع هذا الرهان كل البوّابات ولكن أي بوّابات؟ وماذا يريد الشعب الفلسطيني؟ فنّد الموقف الشعبي الفلسطيني من الرئيس ياسر عرفات ومما تعرّض له من حصار وعزل حتى الاستشهاد، ما روّجت له اسرائيل من عدم شرعية الرئيس الفلسطيني الراحل. فقد أكد الموقف الفلسطيني الشعبي تجذّر الشعب الفلسطيني في ديمقراطيته التي اكتسبها على مر المحن والايام من خلال تنظيماته المختلفة والمتناقضة في بعض الأحيان وأطره العديدة والتي تجعل هدفها الأسمى الوحدة الوطنية الفلسطينية... كل تلك التنظيمات والأطر اختارت الرئيس عرفات في السابق ودعمت قيادته في استفتاءات عفوية يومية ولم يمنعها ذلك من توجيه النقد والنقد اللاذع له في بعض الأحيان ولكنها لم تتخلّ عنه لحظة واحدة... هذه المنظمات والأطر العديدة أجمعت اليوم مبدئيا على أحد المرشحين وهو أبو مازن وبصرف النظر عن خصوصيات هذا المرشح الشخصية الا أنه المرشح الذي أجمعت حوله تقريبا التنظيمات السياسية الفلسطينية وقد يؤكد صندوق الاقتراع هذا الاختيار خاصة وأن المرشح الأبرز سيتساوى مبدئيا مع عدد من المرشحين الآخرين أمام الاقتراع. ويمكن أن يُفسّر الاجماع الفلسطيني حول أبو مازن بإدراك التنظيمات الفلسطينية أن المرحلة الحالية تفترض ان تتولى قيادة الشعب الفلسطيني شخصية بمواصفات أبو مازن. ذلك اذن هو الخيار الواعي والمسؤول للشعب الفلسطيني وسيدعم صندوق الاقتراع هذا الاختيار. وتلك هي الديمقراطية الداخلية الفلسطينية والتي يمكن اعتبارها ظاهرة طارئة او جديدة على الشعب الفلسطيني فهي الافراز الطبيعي للتعددية السياسية التي يعرفها الشعب الفلسطيني ويعبّر عنها بوضوح، وهي من المكاسب والمسائل التي لم يعد يتوقف عندها الشعب الفلسطيني مثل شعوب عربية أخرى. الديمقراطية اذا كانت تمثل حرية الشعب في اختيار من يمثله فهي لا تمثل هاجسا لدى الشعب الفلسطيني لأن هذه الممارسة تعد تقليدا عاديا في حياته ولكن ما يطمح له الشعب الفلسطيني هو التحرير واعلان قيام دولته المستقلة وعاصمتها القدس وهو في ذلك يحتاج العون الدولي للضغط على اسرائيل وليس لمراقبة انتخاباته لذلك يبدو الحرص الدولي على «ديمقراطية» الانتخابات الفلسطينية في غير محله والتي لا يمكن النظر اليه الا باعتباره محاولة مغلوطة للتكفير عن ذنب التخلي دوليا عن الشعب الفلسطيني ومحاولة لصرف النظر خاصة عن التحديات الحقيقية التي تواجه الشعب الفلسطيني بسبب التعنت الاسرائيلي. الانتخابات الفلسطينية ستجرى وستكون ديمقراطية ثم ماذا بعد، ما الذي يمكن أن يوفّره مؤشر ديمقراطية الانتخابات الفلسطينية من فرص للضغط على اسرائيل؟ ربما تخشى اسرائيل خاصة ان يعبّر الشعب الفلسطيني عن رأيه بكل شفافية لأن ذلك سيعني الرفض التام لأي تعايش مع هذا الكيان الذي يعتقد الفلسطينيون انه اغتصب أرضهم وحقوقهم وبالتالي فإنه من المغالطة أيضا القول بأن اسرائيل ستتوجه نحو الحلّ السلمي التفاوض مع الجانب الفلسطيني على ضوء نتائج انتخابات فلسطينية ديمقراطية. فهذا الأمر لا يعدو أن يكون مجرد مبررات لكسب الوقت وتفسير كل الممارسات الاسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني.