يدلي الناخبون الفلسطينيون غدا الأحد بأصواتهم لانتخاب رئيس للسلطة الفلسطينية وسط حملة محلية وعربية ودولية (استجابت لها قيادات حركة فتح) أكدت على رغبتها في أن يكون الفائز في الانتخابات، المرشح محمود رضا عباس (أبو مازن) ليقود مرحلة ما بعد ياسر عرفات الذي توفي في الحادي عشر من شهر نوفمبر الماضي إثر مرض غامض يرجح أنه ناجم عن تسميم، حيث يرى مراقبون أن المرحلة الانتقالية في السلطة الفلسطينية قد سارت بصورة حسنة حتى الآن، رغم أن تصاعد عمليات المقاومة الفلسطينية وممارسات القمع والقتل والتوغل الذي تقوم به قوات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة يعتبر رسالة واضحة تماما تذكر بمدى هشاشة الوضع قبيل الانتخابات. وتقول مجموعة الأزمات الدولية في تقرير لها انه في الوقت الذي تبدو فيه العملية بمثابة بداية صحية إلا أن الوضع حساس جدا ينتظر فيه الخصوم الذين جرى قمعهم في أول زلة قدم للقيادة الجديدة لكي يعيدوا تأكيد وجودهم. كما ينبغي أن لا ينخدع المرء بجو حسن النية والوئام حول مسالة الإصلاح الفلسطيني وفك الارتباط الإسرائيلي في قطاع غزة. ويقول روبرت مالي، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المجموعة انه في الوقت الذي يرحب فيه بالدعم الدولي للإصلاح الفلسطيني إلا أنه ينبغي أن لا يكون ذلك على حساب عرقلة خطوات يتعين اتخاذها في الوقت نفسه على الجبهة السياسية لئلا تفقد القيادة الفلسطينيةالجديدة بسرعة ما قد تحصل عليه من شرعية نتيجة الانتخابات. شرعية والشرعية التي يسعى أبو مازن إلى الحصول عليها عبر الانتخابات تحيط بها الشكوك حيث تعتقد مصادر فلسطينية عديدة أن انتخابات رئيس السلطة الفلسطينية قد تم الاتفاق على تفصيلها لتكون على مقاس مرشح الخارج أكثر منه مرشح الداخل الذي لم يحز في أول استطلاع للرأي بعد غياب عرفات سوى على اثنين بالمائة. وترى هذه المصادر أن هذا قد دفع بالتيار المهيمن في السلطة الفلسطينية على تزوير الانتخابات مسبقا قبل أن تبدأ، وساهمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي في هذا من خلال اعتداءات جنودها على بعض المرشحين والتسهيلات التي تقدمها للمرشح أبو مازن في التنقل وعقد اللقاءات الجماهيرية فيما تحظر ذلك على منافسيه. وتشير المصادر ذاتها إلى أن دول الجوار الفلسطيني تساهم هي الأخرى في حملة تزييف لوعي الشعب الفلسطيني لصالح المرشح ابو مازن. وتقارن هذه المصادر بين ما كانت تطالب به الولاياتالمتحدةعرفات بضرورة إجراء انتخابات تشريعية وليست رئاسية وبين ما تدعو إليه الآن من انتخابات رئاسية وليست تشريعية، فقد كانت واشنطن وإسرائيل متأكدتين من فوز عرفات في الانتخابات الرئاسية لذلك وقفتا ضدها حتى لا تمنح عرفات شعبية جديدة من خلال الانتخابات، كما يقول علي الجرباوي الرئيس السابق للجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، وواشنطن وتل أبيب الآن متأكدتان من فوز معارضي التسوية الإسرائيلية الأمريكية في المجلس التشريعي لذلك فهما ضدها. المنحى الأخطر كما يقول خبراء فلسطينيون تمثل في تغيير المعيار الإنتخابي بشكل مشبوه ومريب، بمعنى الناخب الذي يحق له التصويت، حيث أصدر المجلس التشريعي المنتهية صلاحيته من سنوات، والمفترض أنه يعمل بشكل مؤقت، والذي لم يستطع تغيير أي قانون أو محاسبة أي من الفاسدين، أصدر هذا المجلس قرارا يعتبر أن السجل المدني إلى جانب سجل الناخبين الابتدائي هو المحدد لسجل الناخبين، ورغم أن الأمر قد يبدو منطقيا وواقعيا، ولكن لنعود بالذاكرة قليلا إلى الوراء لنستذكر رفض اللجنة المركزية للإنتخابات وبشكل قاطع ومستمر إعتماد السجل المدني كمصدر مكمل للسجل الانتخابي تحت مسميات وأسباب سبق تناولها بالتفصيل منها قصور السجل وعدم تحديثه وغياب البعض خارج الوطن. الأسلوب الذي اتبعه المجلس التشريعي في إقرار هذا التعديل في جلسة واحدة بالقراءات الثلاث خلافاً للعرف الجاري، وخلافاً لروح القانون، سيؤدي حتماً إلى خلل واضح في إدارة العملية الانتخابية، واعتماد السجل المدني يزيد إمكانية التلاعب في كشوف الناخبين، هذا التغيير من شأنه أن يصعب الإجراءات الفنية لعملية الاقتراع، وعملية المراقبة عليها ويضر ويشكك في نزاهتها وشفافيتها، ويمكن أن يعطي حق الاقتراع لأشخاص خارج الوطن أو أشخاص توفوا مما يتيح فرصة للتلاعب في الاقتراع. أيضا السجل المدني غالباً ما تكون العناوين الواردة فيه قديمة وغير محدثة مما يصعّب عملية التعرف على مكان الاقتراع، ويوفر إمكانية لأن يصوت المواطن في أكثر من مركز اقتراع، والقيام بالتصويت أكثر من مرة، كما أن السجل المدني لا يشمل مواطني القدس وآلاف الفلسطينيين ممن لا يحملون بطاقة هوية. ويؤكد هؤلاء الخبراء أن الهدف من هذا التغيير المفاجىء، وسلقه بهذه الطريقة في المجلس التشريعي وفي جلسة واحدة بعد إقفال باب الترشح والتسجيل ليس له سوى إجابة مقنعة واحدة وهي الاستعداد لكافة الاحتمالات، وإبقاء الباب مفتوحا لتغيير النتيجة لضمان وصول المرشح الأوحد، وأي طريقة ستكون أفضل من تشويش السجل و»خربطته» وصعوبة تحديد الخلل إن حدث لتصبح النتيجة أمرا واقعا. برنامج عباس كما أن هناك مسالة البرنامج الذي يخوض أبو مازن على أساسه الانتخابات ويسعى إلى تطبيقه كرئيس للسلطة؟ ولا يقدم أبو مازن مثل هذا البرنامج، غير أن التصريحات التي أدلى بها والتي تعبر عن مواقفه (التاريخية) في تسوية الصراع العربي الإسرائيلي والتي أبرزها اتفاق أوسلو الذي كان أبرمه في عام 1993 بموافقة من عرفات مع الإسرائيليين، هي نقاط برنامجه الحقيقي، فهو يدعو إلى: الإستجابة التامة وغير المشروطة لطلبات الشريك الجديد أرييل شارون ب»إيقاف التحريض السام والمتواصل عبر وسائل الإعلام الفلسطينية وتغيير وتحويل التوجهات في أجهزة التعليم». وبناء عليه دعا وهو لا يحمل أي صفة في السلطة الفلسطينية إلى وقف كل أشكال التحريض السام خاصة من خلال تلفزيون فلسطين الذي تتهمه سلطة الاحتلال الإسرائيلي بممارسة الكراهية العمياء ومعاداة السامية في برامجه. التأكيد على رفض الإنتفاضة وعسكرتها والإصرار على وقفها، فقد أعلن يوم العاشر من ديسمبر الماضي في بيروت أن «ما يحصل منذ أربع سنوات هو اطلاق نار على الإسرائيليين الذين يردون من بعدها حتى لو لم تصب الصواريخ التي تطلق من الاراضي الفلسطينية أي إسرائيلي، بتجريف المزيد من الاراضي وباطلاق الصواريخ الهادفة للقتل والتدمير». وأنه «لم يعد هناك شيء اسمه شمال غزة أو غرب غزة ورفح مثلاً فقد دمرت هذه المناطق».مذكرا بأنه طالب ومنذ زمن «بمراجعة الأداء العسكري الفلسطيني بمقياس الربح والخسارة، من اجل التوافق على وقفه، وأنا مرشح للانتخابات (الرئاسية) على أساس هذا التوجه ولم أخبئ ذلك». وقد كرر ذلك في الأول من جانفي الجاري في جباليا حيث قال إن الصواريخ التي تطلقها فصائل المقاومة على الأهداف الإسرائيلية لا جدوى منها وأن إسرائيل تستخدمها مبررا لضرب الفلسطينيين. الإستعداد التام لقبول كل ما يطرحه الجانب «الإسرائيلي» وبغض النظر عن الهدف أو المحتوى، وعليه أعلن عن استعداده لتنفيذ الاستحقاقات الفلسطينية ضمن خارطة الطريق، بما فيها جمع الأسلحة وحماية المدنيين الآمنين في مستوطناتهم، ومنع اطلاق الصواريخ والرصاص وحتى الحجارة، مؤكدا على جاهزية قوات الأمن الفلسطينية للقيام بالمطلوب منها وبشكل فوري. العمل على زيادة الأجهزة الأمنية وتسليحها ، رغم المطالب بتقليصها، فالأولوية حسب رأيه هي لحماية عملية السلام، وعلى هذا الأساس أوعز لقادة الأجهزة الأمنية بتخريج الدفعة الجديدة من عناصر الأمن وعددهم 35 ضابطا الشهر الماضي، إضافة للوحدة الأمنية الجديدة المكونة من 750 عنصرا تحت مسمى «هيئة الحماية والحراسة» والتي شكلت بداية شهر ديسمبر، وبموجب قوانين السلطة فإن كلمة هيئة غير مدرجة في النظام المدني وإنما تتبع مباشرة لرئيس السلطة، مما يعفيها من دقة المراقبة المدنية مثل هيئة الاذاعة والتلفزيون وهيئة البترول وهكذا . البدء الفوري بالتفاوض مع شركاء السلام شارون وموفاز وبيريز، حتى قبل الانتخابات التي لن تغير شيئا، في مسعى منه للاتفاق على «تحديد الاطار العام للحركة للبدء بالعمل لتحقيق السلام... والذي يتضمن كما ذكر تقرير لوكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية في السابع من ديسمبر الماضي، مجموعة من النقاط يجرى التداول من أجل الاتفاق حولها وبشكل واضح، والتوصل الى اتفاق لوقف اطلاق النار بين الجانبين الفلسطينى والإسرائيلى تلتزم بموجبه السلطة الفلسطينيةالجديدة بوقف العمليات ضد إسرائيل وتؤكد السيطرة على الاوضاع فى غزة والضفة الغربية،». تطورات فلسطينية ويقول مالي ان من المؤكد أن الزعيم الفلسطيني المستقبلي سيحتاج إلى إحياء النظام السياسي بما يشمل إصلاح المؤسسات ودمج الإسلاميين على أساس إجماع استراتيجي في الآراء يتفق مع تسوية تقوم على أساس دولتين عن طريق التفاوض، ويتحمل فيه المدافعون عنها المحاسبة والمسؤولية. ولكن خلال المرحلة التالية، فإنه سيكون من الصعب تقييم الحالة الشعبية الفلسطينية بصورة صحيحة. وفي الوقت الذي يتوق فيه الفلسطينيون حقا إلى حكم القانون وإلى مؤسسات عاملة فإنهم بالمثل يائسون من التقدم السياسي وبخاصة حول قضايا مثل بناء المستعمرات وجدار الفصل وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي بسرعة. ويرسم مسؤول فلسطيني طلب عدم الإفصاح عن هويته صورة سوداوية للتركة التي سيرثها أبو مازن وهي في أفضل الحالات ستكون عقبة في وجه التقدم. ويقول أن من بين عناصر التركة، أموال ضائعة وخزينة فارغة وعصابات متناحرة وشعب مقسم وقيادة لا ترقى إلى مستوى شعبها ومسلوبة الإرادة وواجهات أمنية وسياسية وإدارية فاسدة، وهياكل فارغة دون دورة دموية، وحلم بدولة قابلة للحياة لا يتحقق، وقدس مستبعدة من التفاوض وحل لا يعيد للاجئين حقوقهم بعودتهم إلى وطنهم. ويعمد أبو مازن في سياق مسعاه للحصول على التأييد والدعم وخاصة داخل حركة فتح وبسطاء الشعب الفلسطيني إلى الإعلان أنه يسير على خطى عرفات وأنه متمسك بالثوابت الوطنية. ومن أجل ترتيب الأمور لصالحه فقد جرى توزيع المسؤوليات داخل اللجنة المركزية لفتح مناصفة ولكن بطريقة شكلية بينه وبين فاروق قدومي، خلافا للنظام الأساسي للحركة، فقد أعلن مقابل تولي أبو مازن رئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، عن إسناد منصب رئيس الحركة إلى القدومي وهو منصب غير منصوص عليه في النظام الأساسي الذي يحدد فقط منصب أمين سر اللجنة المركزية للحركة الذي كان مساندا للقدومي منذ منتصف الستينات، وهناك نص بترؤس القائد العام لقوات العاصفة وإدارة اجتماعات اللجنة المركزية لفتح، وقد رفض المرحوم صلاح خلف (أبو إياد) مطلب عرفات في المؤتمر الخامس للحركة الذي عقد في عام 1985 في حمام الشط بتونس النص على رئاسة عرفات للحركة، كما تنص المادة 63 من النظام الأساسي على تشكيل مكتب سياسي للحركة من 11 عضوا من اللجنة المركزية، وهو ما لم يطبق. وتقول مصادر فلسطينية ان مسالة الثوابت بالنسبة لأبي مازن متغيرة، فحتى موضوع التزامه بحق العودة للاجئين الفلسطينيين فإنه يعرف هذا الحق على أساس القرار 194 وعودتهم إلى مناطق السلطة فقط، وليس على أساس تنفيذ القرار نفسه الذي ينص على عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم والتعويض لهم. أما بالنسبة للثوابت الأخرى التي تعتبر الوحدة الوطنية في مقدمتها فإن سياسات أبو مازن لا تشير أبدا إلى تمسكه الفعلي بالوحدة الوطنية حيث يتصرف منذ رحيل عرفات بتفرد ودون الاتفاق مع الفصائل الأخرى. وحتى أنه يتصرف بشكل يتعارض مع النظام الأساسي لحركة فتح الذي ينص في نظام عقوباته على بند بالتشهير أو الفصل لكل من يخالف الباب الأول للنظام الأساسي الذي يتضمن الأساليب والمنطلقات والأهداف وتحرير فلسطين والكفاح المسلح. ويقول مسؤول في فتح في معرض تعليقه على ذلك إن «الحركة لم تعد موحدة سياسيا بسبب تمزيق النظام الأساسي.» مشيرا إلى أن ما كان يوحد فتح هو ياسر عرفات الذي كان يعمل وفق مشروع الزعيم» ويبدو أن أبا مازن يتصرف وفق مشروع أوسلو الذي هو أبرز تركته بكل تداعياته الكارثية، وهو مشروع كان خطط له سرا قبل أكثر من 11 عاما، ازداد خلالها بؤس الشعب الفلسطيني ولوحقت مقاومته من قبل أجهزة أمن السلطة وسلطات الاحتلال، وتعاظم النشاط الاستيطاني اليهودي الذي وصل إلى بناء جدار الفصل، فيما يواصل ابو مازن إبلاغ كافة الأطراف أن لديه أسلوبا مثمرا يقوم على بذل جهوده لخفض التوتر وإقناع المقاتلين الفلسطينيين على إلقاء أسلحتهم والتخلي عن المقاومة والقبول بوقف لإطلاق النار واستئناف المفاوضات مع حكومة الاحتلال. ويقول معين رباني، المحلل في مجموعة الأزمات الدولية إن «على محمود عباس، إذا أصبح رئيسا أن يثبت إلى الفلسطينيين أنه يستطيع أن يقدم شيئا، وقد يتعين عليه على الأرجح أن يفعل ذلك خلال الأشهر الثلاثة الأولى من تولي المنصب. ولكنه إذا فشل في تحسين الحياة اليومية للفلسطينيين وتقديم أمل بتسوية سياسية فإن الوضع سيتحول بسرعة إلى فوضى وصراع.»