في رصيد القاص والروائي البحريني عبد اللّه خليفة أكثر من ستة عشرة كتابا فضلا عن الأعمال الجاهزة للطبع... وهو قبل كل شيء يمثل تجربة خاصة في الأدب العربي والبحريني إذ كان واحدا من الذين قادتهم الأحلام إلى السجن في فترة السبعينات ليكتشف معاني جديدة للكتابة التي كانت في البداية مجرّد شعارات مباشرة وفجة ليحفر بحثا عن معان أعمق للوجود وللكتابة. «الشروق» التقته في هذا الحوار بمناسبة زيارته إلى تونس: * البحرين تمثل نموذجا خاصا في الأدب العربي من خلال اسهامها في حركة التحديث الشعري خاصة. ما هي الاتجاهات الأساسية في الأدب البحريني اليوم؟ البحرين الحديثة تشكلت خلال القرنين 19 و20 وهي عبارة عن مدينة وسط الخليج العربي تطورت بشكل حداثي سريع بسبب النفط وما حققه من نمو اقتصادي. وظلت عملية التبعية والتخلف هما القضيتان المحوريتان في الحياة الاجتماعية فظهر الأدب بصورة مبكرة في بدايات القرن الماضي خاصة في مجال الشعر والقصة القصيرة ولكن في البداية بصورة كلاسيكية ومنذ الستينات بدأ الأدب ينعطف في اتجاه التجارب العربية الحديثة. فظهرت القصيدة الحديثة والقصة والرواية بشكل واسع وقامت كافة هذه الأشكال بالتغلغل في الحياة الاجتماعية وتطوير التقنيات وعلى سبيل المثال في القصة القصيرة والرواية ابتعدتا عن الأشكال التقليدية واتجهتا إلى الأبنية المعاصرة مثل تيار الوعي وتداخل السرد و»الفلاش باك» وظهور البنية الشعرية التي لا تنقطع عن تحليل الحياة ورصد النماذج بشكل متفاوت فهناك اتجاه إلى التشظّي الشعري وهناك التسجيلية ولذلك نحن من بداية الستينات اتجهنا إلى كتابة الرواية بصورة مكثفة وواسعة وخاصة في مجال تحليل الحياة الاجتماعية للناس والتاريخ السابق للمنطقة في جانبها البحري واثرها التاريخي في المعارضة كالخوارج والقرامطة فكان الأدب يكتشف الأحجار القديمة وما يتوارى تحتها من معاناة أجيال من البدو والفلاحين. تلاحظ من حيث السمات النوعية للأدب أن النوع القصصي القصير والنوع الشعري استوليا على المشهد الأدبي في البحرين وفي المنطقة بكل حرارة التجربة وبكل اتصال مع الثقافة العربية وما تنتجه من زخم فني وفكري فمثلا القصيدة الومضة تم تجاوزها إلى ملحمية واسعة في الكتابة الشعرية بحيث تزخر هذه الملحمية برموز تاريخية وأسطورية من المنطقة الخليجية وإن كان طبعا في السنوات الأخيرة ما حدث من تصدّع لبنية الوعي التحديثي وصعود تيارات دينية أدى إلى انحصار في بعض جوانب الأنواع الأدبية التي كانت تتطور بقوة. سواء بتفكك أو تقلص عمليات التحليل للحياة أو بتقطع الأنواع إلى شذرات وجزر شكلانية داخلية لكن هناك بعض الأسماء التي واصلت في الحفر مثل أمين صالح الذي اشتغل على الرواية في الفترة الأخيرة وقاسم حداد وغيرهما. * لكل كاتب أسئلته ودوافعه للكتابة ما الذي يقود عبد اللّه خليفة في نصه الروائي والقصصي؟ هذه التجربة العامة بخطوطها العريضة شديدة الاقتضاب تنعكس على أعمالي فأنا بدأت مع هذه التجربة ذاتها العامة حيث الزخم الاجتماعي والبحث عن أدوات مختلفة في الكتابة أي كنا نحاول تجاوز الانعكاسات والأساليب التقليدية فكتبت في السنوات الأولى هذه التجارب التي فيها الكثير من التشظي والومضات المشهدية اضافة إلى درس تجارب حقيقية في الحياة وتضفيرها برموز أسطورية وتاريخية أول مجموعة قصصية لي اسمها: لحن الشتاء كتبت بطريقة سياسية مباشرة وحادة ولم أستطع أن أرى هذه المجموعة لأني أودعت في السجن لمدة ست سنوات بسبب نشاطي السياسي وفي السجن أتيحت لي فرصة التأمل العميق والطويل فرحت أغزل أعمالي بصورة مختلفة تعتمد على الكثافة والترميز وتداخل الأنواع فمثلا المجموعة القصصية الثانية واسمها «الرمل والياسمين» الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب امتازت بهذه الأجواء المختلفة وبعد ست سنوات من عدم النشر... كنت أسرّب قصصي في معاجين الأسنان وهو ما سبب لي عقوبات من إدارة السجن، من هنا بدأت أطور تجربتي القصصية نحو الرواية عبر اتساع المشاهد القصصية وتعدد النماذج وتداخل الفترات حيث يلعب «المونولوغ» لديّ قيمة محورية فهو الذي يتيح عملية تداخل الأزمنة ويكشف تناقضات الشخوص وتعرية البنى الاجتماعية. فخلال هذه السنوات أنتجت أكثر من 12 رواية بدأت بالروايات القصيرة إلى أن تصبح الرواية ذات أجزاء كروايتي الأخيرة «الينابيع» وكلها تعكس تجربة أكثر من 30 سنة. * ما هي انعكاسات التدخل العسكري المباشر الأمريكي والبريطاني في منطقة الخليج على الحياة الثقافية؟ عندما نعود إلى البداية لنرى التحولات التي لم يستطع الوطن العربي تشكيلها بالانتقال من مجتمع تقليدي شمولي إلى مجتمع حديث تعدّدي نرى بأن الغرب الامبريالي هو الذي كرّس البنية التقليدية في العديد من الأقطار العربية وخاصة في الجزيرة العربية حيث حمى أنظمة تنام على بحيرات من الذهب فجعل العلاقات الاجتماعية والفكرية تبقى في مستويات متدنية ومتخلّفة وهذه المستويات هي التي أنتجت قوة التطرف الديني والتي لعبت دورا كبيرا في الهجوم على مرتكزات الحداثة وطرح جوانب متخلفة على مستوى السياسة والانتاج الثقافي فصارت هناك عودة إلى النصوصية الجامدة والانسحاب من الأشكال الأدبية والفكرية الحديثة إلى أن أنتجت أشكالا متطرفة من العنف. هذه الرؤية السياسية الفاشية هي التي غذتها سياسات الولاياتالمتحدةالأمريكية خلال العقود السابقة ثم ارتدت عليها واستغلتها ولم يتحقق أي تطور حقيقي وحداثي وحضاري ومتحرّر وطنيا وقوميا بدون تعاون كافة القوى العربية والاسلامية التحديثية. * أي دور لاتحادات الكتاب في التقارب الثقافي العربي؟ إن اتحادات الكتاب العربية تعكس الحالة السياسية العربية لذلك هذه الاتحادات لم تستطع أن تكون معبّرة عن توجهات الكتاب المختلفة وان تكون حاضنا حضاريا لتجاربهم وانتماءاتهم ولنضالهم النقابي ومن هنا استمرت الاتحادات العربية في عزلتها الكبرى عن معارك الديمقراطية والتغيير وتوجد هناك بعض الاتحادات العربية الجيدة ومجموعات من العناصر الفاعلة ولكنها عاجزة عن إعادة الحياة لهذا الجسم غير الصحي لاتحادات الكتاب العرب.